إدارة مختلفة لأزمات الشرق الأوسط.. مصر وتركيا يرسمان مستقبل المنطقة
الرئيس عبدالفتاح السيسي ونظيره التركي رجب أردوغان
ليست زيارة بروتوكولية عابرة، بل محطة سياسية تحمل رسائل متعددة، هكذا يمكن قراءة زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط شبح التصعيد بين أمريكا وإيران، والبدء في المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قطاع غزة، وفتح ملفات إقليمية متوترة، على رأسها غزة، وإيران، وأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
لقاءات السيسي وأردوغان
وفي السياق ذاته، شهدت العلاقات المصرية التركية على مدار العقد الماضي حالة من الفتور والتوتر، استطاعت أن تستعيد قوتها على المستوى الرسمي منذ لقاء الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب أردوغان على هامش بطولة كأس العالم بقطر في نوفمبر 2022، حتى استعادة التمثيل الدبلوماسي الرسمي بعد إعادة انتخاب الرئيس التركي في مايو 2023، وإعادة تبادل السفراء بين البلدين في يوليو من نفس العام.

وللاستفادة من عودة العلاقات وترقيتها إلى المستوى الاستراتيجي، اتجهت بوصلة العلاقات المصرية التركية إلى الترابط وتعزيز سبل التعاون وتوسيعها، وهو ما سينعكس على التحالفات الإقليمية في المنطقة ونجاح عملية التقارب الرسمي.
عقب لقاء الزعيمين في الدوحة، شهدت المؤتمرات والمحافل الدولية عدة لقاءات ومباحثات هامة، حتى جاءت أول زيارة رسمية لأردوغان إلى القاهرة، منذ أكثر من عشر سنوات، في 14 فبراير، مما أتاح بدء صفحة جديدة في العلاقات الثنائية وتعمقت المشاورات حول التعاون الإقليمي، ثم أجرى الرئيس السيسي في سبتمبر 2024 زيارة رسمية إلى تركيا، وهي الأولى له منذ توليه الرئاسة.
واليوم 4 فبراير 2026، يصل أردوغان إلى القاهرة في زيارة رسمية ليُستقبل من الرئيس السيسي، ويُجري مباحثات رسمية قبيل ترؤس الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، ومشاركة منتدى الأعمال المصري-التركي.
ملفات ساخنة على الطاولة
وأكد أستاذ العلوم السياسية، رضا فرحات، أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة تمثل محطة فارقة في مسار العلاقات المصرية التركية، وتعكس إرادة سياسية واضحة بالانتقال من مرحلة إدارة الخلافات إلى منطق الشراكة وتغليب مساحات التوافق على نقاط الصدام، بما يتسق مع متطلبات المرحلة الراهنة وتعقيداتها الإقليمية والدولية.

وأوضح فرحات في تصريحات لـ“تليجراف مصر”، أن توقيت الزيارة، التي سبقتها زيارة الرئيس التركي إلى المملكة العربية السعودية، يعكس حراكًا إقليميًا لإعادة ترتيب أولويات المنطقة وبناء مسارات جديدة للتفاهم والتنسيق، مؤكدًا أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن المتغيرات الكبرى التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتصاعد التوتر الإيراني الأمريكي، واستمرار الاضطرابات في السودان، فضلًا عن التنافس الدولي المتزايد في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وأشار نائب رئيس حزب المؤتمر إلى أن القاهرة وأنقرة تعيدان التموضع داخل معادلات الإقليم باعتبارهما قوتين محوريتين قادرتين على التأثير الفاعل في مسارات الأزمات، وليس الاكتفاء بردود الفعل تجاهها.
أستاذ العلوم السياسية، رضا فرحات
وفيما يخص القضية الفلسطينية، أكد أن التقارب المصري التركي يخلق ثقلًا سياسيًا ضاغطًا قادرًا على إعادة ضبط بوصلة التفاعلات الدولية تجاه قطاع غزة، لافتًا إلى أن الجمع بين النفوذ المصري المباشر على معابر القطاع، والدور المركزي للقاهرة في جهود الوساطة، إلى جانب الحضور التركي الفاعل على الساحة الدولية، يمنح التحرك المشترك قدرة أكبر على فرض معادلات سياسية.
وشدد فرحات على أن التنسيق المصري التركي يكتسب أهمية مضاعفة في ظل التوترات الإيرانية الأمريكية، باعتباره ركيزة أساسية لاحتواء سيناريو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، موضحًا أن القاهرة وأنقرة تمتلكان قنوات تواصل مباشرة وغير مباشرة مع مختلف الأطراف، وهو ما يمكن توظيفه لإطلاق مسارات تهدئة تدريجية تقوم على مبدأ تقليص ساحات الاشتباك، وتحجيم أدوار الفواعل المسلحة، وحماية أمن الممرات البحرية الحيوية.

الشرق المتوسط وترسيم الحدود البحرية
أكد نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، مختار الغباشي، أن العلاقات المصرية – التركية مرت بحالة من الخلاف وسوء التفاهم حول بعض الملفات الإقليمية، مشيرًا إلى أن تطورات المرحلة الراهنة تفرض ضرورة التنسيق والتعامل بين الجانبين في عدد من القضايا المشتركة.
وأوضح الغباشي في تصريحات لـ“تليجراف مصر”، أن لتركيا دورًا مباشرًا في الملف الليبي، سواء من خلال اتفاقية الترسيم البحري مع الحكومة الليبية أو عبر وجودها في المشهد السياسي والأمني داخل ليبيا، وهو ما يجعل من الضروري لمصر فتح قنوات حوار مع أنقرة، خاصة في ظل حرص القاهرة على تهدئة الأوضاع داخل ليبيا والحفاظ على استقرارها.

وأضاف أن الحديث المصري–التركي يتقاطع كذلك مع ملفي شرق المتوسط وترسيم الحدود البحرية، إلى جانب الوجود التركي في سوريا، حيث تُعد أنقرة طرفًا فاعلًا في المعادلة السورية، وهو ما يفرض أهمية التنسيق مع مصر باعتبارها طرفًا إقليميًا محوريًا.
نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، مختار الغباشي
وأشار الغباشي إلى أن الملف الفلسطيني يمثل بدوره نقطة التقاء بين البلدين، لافتًا إلى الدور الذي لعبه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في دعم اتفاق شرم الشيخ، ومشاركته في الجهود الرامية إلى التهدئة من خلال قنوات اتصال مباشرة مع الفصائل الفلسطينية.
وأكد أن العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا لم تتأثر بالخلافات السياسية السابقة، حيث استمرت الاستثمارات التركية في مصر، التي تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار، ما يعكس عمق المصالح المشتركة بين البلدين.
وأشار إلى أن ملف أرض الصومال والقرن الإفريقي يمثل أحد مجالات التوافق بين القاهرة وأنقرة، خاصة في ظل الرفض المشترك لأي تدخلات خارجية أو محاولات لفرض واقع جديد في المنطقة.
ملف الغاز في شرق المتوسط
من جانبه، أكد خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، سعيد عكاشة، أن السياسة الدولية بطبيعتها لا تقوم على تحالفات ثابتة، وإنما على تحالفات مرنة تحكمها طبيعة التحديات والظروف الإقليمية والدولية في كل مرحلة، مشيرًا إلى أن التقارب الحالي بين مصر وتركيا يأتي في هذا الإطار.
وأوضح عكاشة لـ“تليجراف مصر”، أن هناك قدرًا من التوافق الراهن بين القاهرة وأنقرة فيما يتعلق بجهود تسوية الحرب في قطاع غزة ودعم حل الدولتين في ظل التعنت الإسرائيلي، لافتًا إلى أن هذا التوافق يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية التنسيق بين القوى الإقليمية الكبرى في ظل تصاعد الأزمات.

خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، سعيد عكاشة
ولفت إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد توافقات إضافية بين البلدين في عدد من الملفات، من بينها ملف الغاز في شرق المتوسط، مؤكدًا أن استمرار هذا المسار مرهون بمدى استيعاب أنقرة لدروس الماضي واحترامها لمصالح مصر وثوابتها، مشددًا على أن القاهرة تمتلك من الخبرة والقدرة ما يؤهلها للتعامل مع أي تغير محتمل في المواقف التركية وفق حسابات دقيقة تحفظ أمنها القومي ومكانتها الإقليمية.
وأضاف أن الملف السوداني يمثل هو الآخر نقطة التقاء بين البلدين، حيث يتفق الجانبان على ضرورة دعم مؤسسات الدولة السودانية والعمل على تعزيز استقرارها، ورفض أي مقاربات تقوم على التعامل مع الميليشيات المسلحة، وعلى رأسها قوات الدعم السريع.
اقرأ أيضًا
الأكثر قراءة
-
نموذج نادر للبر والعطاء، من هي آلاء جمعة التي أبكت قلوب المصريين؟ (خاص)
-
نتيجة الشهادة الإعدادية محافظة القليوبية بالاسم 2026، احصل عليها في دقائق
-
لا تتركوه يتنفس الهواء الذي سلبه قسرا، مرافعة نارية للنيابة في قضية صغار المنوفية
-
بالتزامن مع قضية فتاة الفندق، موعد محاكمة محمود حجازى في واقعة ضرب زوجته
-
بنسبة نجاح 80.25%.. رابط نتيجة الصف الثالث الإعدادي محافظة الإسماعيلية 2026
-
رابط نتيجة الشهادة الإعدادية برقم الجلوس في محافظة الإسماعيلية 2026
-
من القصر إلى القبر.. كيف أخفقت توقعات ليلى عبداللطيف بشأن سيف الإسلام القذافي؟
-
نتيجة ثالثة إعدادي برقم الجلوس والاسم محافظة القليوبية 2026
أخبار ذات صلة
"إسكان النواب" تعتمد خطتها، مخالفات البناء والإيجار على رأس الأولويات
04 فبراير 2026 05:52 م
صفقة دفاعية.. القاهرة وأنقرة توقعان الاتفاقية العسكرية الإطارية
04 فبراير 2026 05:25 م
السيسي وأردوغان يوقعان البيان المشترك الصادر عن اجتماع "التعاون الاستراتيجي"
04 فبراير 2026 05:03 م
تحدي الخبرة والتجديد، عوامل ترجح تكليف مدبولي بتشكيل حكومة جديدة
04 فبراير 2026 04:42 م
أكثر الكلمات انتشاراً