الجمعة، 13 فبراير 2026

02:43 ص

ما وراء زيارة الرئيس إلى أبوظبي

في منطقة تتغير خرائط تحالفاتها أسرع مما تتغير عناوين نشراتها الإخبارية، تبقى بعض العلاقات خارج منطق التقلبات، علاقات لا تُقاس بردود الفعل، ولا تُختبر كل مرة عند مفترق سياسي، هذا هو واقع العلاقة بين مصر والإمارات.. ثابتة، وواضحة، ومحصّنة بتراكم سنوات من الثقة.

زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي الأخيرة إلى أبوظبي لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل حملت في تفاصيلها رسائل تتجاوز البروتوكول.

الاستقبال الحافل من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، لم يكن مشهدًا مبهجًا ورائعًا فقط، بل كان تعبيرًا صريحًا عن تقدير متبادل وشراكة استراتيجية ترسخت عبر مواقف صعبة وتحديات إقليمية معقدة.

في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تبدو القاهرة وأبوظبي على موجة واحدة في قراءة المشهد: أولوية الاستقرار، دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض الفوضى كأداة لإعادة تشكيل المنطقة، وهذا التفاهم لم يتشكل بين ليلة وضحاها، بل جاء نتيجة تنسيق طويل ورؤية متقاربة لطبيعة التحديات.

اقتصاديًا، العلاقة تجاوزت فكرة “الاستثمار” إلى مفهوم الشراكة الممتدة، فالإمارات ليست مستثمرًا عابرًا في السوق المصرية، بل شريك في مشروعات بنية تحتية، وطاقة، وتطوير عمراني، وموانئ. 
واللافت أن هذا التعاون لم يتراجع في أوقات الضغوط، بل تعزّز في لحظات الاحتياج، ما يمنح العلاقة عمقًا يتجاوز الحسابات قصيرة المدى.

وأكثر ما يميز هذه العلاقة حقًا بعدها الإنساني والثقافي، ملايين المصريين الذين عملوا ويعملون في الإمارات هم الجسر الحقيقي بين الشعبين، إذ يمثلون علاقة تشكلت في المدارس والمستشفيات ومواقع العمل قبل أن تتشكل في القاعات الرسمية.

ومن هنا تأتي أهمية رسالة شيخ الأزهر إلى الشيخ محمد بن زايد، فهي ليست مجاملة بروتوكولية، بل تعبير عن تقدير مؤسسي يعكس عمقًا حضاريًا وروحيًا في العلاقة بين البلدين.
حين يتحدث الأزهر، فهو يتحدث باسم مدرسة تاريخية عريقة، وحين يوجّه رسالة تقدير، فإنها تحمل معنى يتجاوز السياسة إلى فضاء القيم المشتركة.

ولعل ما يمنح هذه العلاقة ثباتها ليس فقط تشابك المصالح، بل نمط القيادة لدى الطرفين، فالرئيس عبدالفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد ينتميان إلى مدرسة تميل إلى حسابات الدولة لا انفعالات اللحظة، وإلى قراءة بعيدة المدى لا رهانات قصيرة الأجل.

في إقليم اعتاد ردود الفعل السريعة، اختار الرجلان نهج التهدئة حين تتصاعد الأصوات، والبناء حين ينشغل الآخرون بالصراع، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية كأولوية لا تقبل المساومة.
تلك المقاربة الهادئة، التي توازن بين الحزم والحكمة، كانت ولا تزال أحد أسرار متانة العلاقة بين القاهرة وأبوظبي.

في زمن التحالفات السريعة والقطيعة الأسرع، تثبت مصر والإمارات أن العلاقات الحقيقية لا تُبنى على المصالح وحدها، بل على الثقة التي تعد ضمانة للاستمرار مهما تبدلت الظروف.

قد تتغير الحكومات، وتتبدل الأولويات الدولية، لكن العلاقات التي تأسست على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة تبقى وتعيش.
بين القاهرة وأبوظبي، الحديث لا يمكن أن يقتصر على زيارة عابرة، بل عن مسار طويل.. عنوانه الثبات، ومضمونه الشراكة والأخوة.

search