الخميس، 26 فبراير 2026

12:54 ص

صحاب الأرض.. مقاومة أوجعت جار السوء

لم يكن مسلسل “صحاب الأرض” مجرد عمل درامي يُعرض في موسم مزدحم بالشاشات، بل جاء كصفعة أخلاقية على وجه الرواية الزائفة، وكمرآة صادقة عكست ما حاول “جار السوء” طمسه طويلًا: صورة الإنسان الفلسطيني في لحظة انكساره، لا بوصفه رقمًا في نشرة الأخبار، بل كروح تمشي تحت القصف وتحلم بالحياة.

منذ حلقاته الأولى، لم يتعامل المسلسل مع القضية بوصفها ملفًا سياسيًا، بل بوصفها مأساة بشرية مكتملة الأركان: بيت يُقصف، مستشفى يُحاصر، طفل يبحث عن أمه بين الركام، وطبيب يداوي بلا دواء. هنا لم تعد الحرب عنوانًا، بل أصبحت تفاصيل: كوب ماء، شاش طبي، شمعة في غرفة عمليات.

الفن حين يقول ما تعجز السياسة عن قوله، الفن لا يرفع رايات ولا يصدر بيانات، لكنه يفعل ما هو أخطر: يجعلنا نشعر.
وهذا ما فعله «صحاب الأرض»؛ أعاد تعريف الصراع من معادلة قوة إلى معادلة ضمير. لم يسأل: من انتصر؟ بل سأل: من تألم؟ ومن دفع الثمن؟
ولهذا بالتحديد غضب “جار السوء”.
لم يغضب لأن العمل كذب، بل لأنه لم يكذب.
لم يغضب لأن الصورة مشوهة، بل لأنها واضحة أكثر مما ينبغي.
لماذا يخاف جار السوء من الدراما؟
لأن الدراما لا تحتاج إلى مدافع كي تهزم الرواية المسلحة، بل تحتاج إلى قصة صادقة.
حين يظهر الفلسطيني على الشاشة طفلًا لا مقاتلًا، وأمًا لا رقمًا، وطبيبًا لا هدفًا، تنهار اللغة الخشبية التي اعتادت تبرير القصف باسم “الأمن”.
الهجوم الإسرائيلي على المسلسل لم يكن نقدًا فنيًا، بل دفاعًا عن سردية متداعية. سردية تقول إن القوة هي الحق، بينما تقول الصورة: إن الحق هو الحياة.
وهنا تقع المعركة الحقيقية: بين خطاب يقول “نقصف دفاعًا عن أنفسنا”، وصورة تقول “نُدفن ونحن أحياء”.
 

فلسطين.. حين تتكلم الدموع
 

في فلسطين، لم يُشاهد المسلسل كدراما، بل كوجع مألوف.
رأى الناس فيه وجوههم، وشوارعهم، ومستشفياتهم. لم يحتج الفلسطيني إلى شرح، لأنه يعرف المشهد قبل أن يُعرض.
هنا تحوّل المسلسل إلى شهادة، لا إلى حكاية، وإلى ذاكرة بصرية لجراح لم تندمل.
 

العرب.. حين يستيقظ الوجدان


في الشارع العربي، أعاد العمل فتح باب السؤال القديم: ماذا بقي من دور الفن؟
والإجابة جاءت واضحة: بقي أن يقول الحقيقة حين يُمنع الكلام، وأن ينحاز للإنسان حين تُباع القيم،
وأن يربك القوة حين تطمئن إلى صمت العالم.

أوجع جار السوء.. لأنه كشف الجرح

«صحاب الأرض» لم يوجع الاحتلال لأنه هاجمه، بل لأنه كشفه. كشف أن المشكلة ليست في الصواريخ فقط، بل في القصة التي تُروى عنها. وحين تنتصر القصة الإنسانية، تخسر الآلة العسكرية معناها.
هذا المسلسل لم يطلق رصاصة، لكنه أطلق سؤالًا: كيف يمكن لقوة عسكرية أن تنتصر على طفل؟
وكيف يمكن لرواية سياسية أن تصمد أمام أم تبكي؟ وهنا بالضبط يصبح الفن مقاومة، وتصبح الدراما موقفًا،
ويصبح «صحاب الأرض» أكثر من مسلسل… يصبح شاهدًا على زمنٍ حاول فيه جار السوء أن يكون صاحب البيت..

title

مقالات ذات صلة

search