الفن رسالة قبل أن يكون تجارة أو سباقًا على الأرقام
في لحظة تبدو فيها الساحة الفنية مشوشة بضجيج الأرقام وصخب “التريندات”، جاء بيان نقابة المهن التمثيلية برئاسة الفنان أشرف زكي ليعيد النقاش إلى جوهره الحقيقي: ما هو الفن؟ وما هي وظيفة الفنان؟ وهل تحوّلت الرسالة الفنية إلى مجرد رقم يتصدر شاشة هاتف؟
إن النظر إلى هذه الظاهرة يحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد متابعة سجال عابر على منصات التواصل. فالمسألة في جوهرها ليست خلافًا بين فنانين حول من هو “الأكثر مشاهدة”، بل تعبير عن تحوّل في فهم النجاح الفني نفسه. وإذا أردنا أن نفهم ما يحدث اليوم، فعلينا أن نقارن بين منظومتين فكريتين مختلفتين: منظومة الفن بوصفه رسالة، ومنظومة الفن بوصفه رقمًا.
في الماضي، كان الفنان العربي – والمصري تحديدًا – يتحرك داخل إطار ثقافي واضح. كان يدرك أن الفن ليس مجرد مهنة للربح أو الشهرة، بل دور حضاري وثقافي في تشكيل وعي المجتمع. ولذلك لم يكن يسأل نفسه: كم مرة شاهد الناس عملي؟ بل كان يسأل سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا أضفت إلى وجدان الناس؟
كان الفنان يعمل من أجل الفن ذاته، ويؤمن بأن العمل الجيد يحمل رسالته في داخله. الفن عندهم لم يكن سباقًا لحصد الأرقام، بل مسارًا طويلًا من البناء الثقافي. ولهذا ظهرت أعمال فنية أصبحت جزءًا من ذاكرة المجتمع، لأنها لم تُصنع من أجل اللحظة، بل من أجل الزمن.
لقد كان الفنان القديم يدرك – بفطرته الفنية وربما بثقافته العميقة – أن القيمة الحقيقية للعمل الفني لا تُقاس بمدى الضجيج الذي يصاحبه عند عرضه، بل بمدى قدرته على البقاء. فالعمل الفني، مثل الفكرة الكبرى، قد يولد هادئًا لكنه يعيش طويلًا إذا كان صادقًا وعميقًا.
أما اليوم، فإننا نشهد ظاهرة مختلفة تمامًا. فقد تحوّل الفن لدى بعض الفنانين إلى سباق رقمي، تُقاس فيه القيمة الفنية بعدد المشاهدات، وكأن العمل الفني أصبح سلعة رقمية تتنافس في سوق “التريند”. ومع الوقت، أصبح بعض الفنانين يتعاملون مع هذه الأرقام باعتبارها شهادة تفوق فني، رغم أن هذه الأرقام قد تكون في كثير من الأحيان نتاج عوامل دعائية أو تقنية لا علاقة لها بجودة العمل.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالأرقام، بطبيعتها، لا تعبر بالضرورة عن القيمة. قد تعبر عن الانتشار اللحظي، لكنها لا تعبر عن العمق أو التأثير الثقافي. فكم من عمل ضجّت به المنصات أيامًا ثم اختفى أثره، وكم من عمل آخر لم يحظَ بضجيج كبير لكنه ظل حيًا في ذاكرة الناس لعقود.
إن تحويل الفن إلى معركة أرقام هو في الحقيقة اختزال شديد لفكرة الإبداع نفسها. فالإبداع بطبيعته لا يُقاس بالكم، بل بالكيف. ولا يُختزل في لحظة رقمية عابرة، بل يمتد عبر الزمن ليترك أثره في الثقافة والوعي.
ولذلك فإن ما يحدث اليوم من تنافس محموم على أرقام المشاهدات والتريندات لا يمكن اعتباره منافسة فنية بالمعنى الحقيقي، بل أقرب إلى ظاهرة نفسية واجتماعية تعكس حالة من القلق حول إثبات الحضور. إنها محاولة سريعة لإعلان الانتصار في معركة وهمية، بينما المعركة الحقيقية – معركة الفن الجيد – لا تُحسم بهذه الطريقة.
وإذا أردنا أن نتحدث بوضوح أكبر، فإن هذا السباق المحموم على الأرقام لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون نوعًا من “لعب الصغار”. لعب لا يليق بتاريخ الفن المصري، ولا بمكانة الفنان الذي يفترض أن يكون صانعًا للوعي لا مطاردًا للتريند.
فالفنان الحقيقي لا يقف على بوابة الأرقام منتظرًا شهادة نجاح، بل يقف داخل العمل الفني ذاته، يبني عالمه ويقدم فكرته ويترك للجمهور وللزمن مهمة الحكم. أما من يلهث خلف الأرقام، فإنه قد يحقق ضجيجًا سريعًا، لكنه في الغالب يفقد المعنى الأعمق للفن.
ومن هنا تبدو أهمية البيان الذي أصدرته النقابة، لأنه لم يكن مجرد تحذير إداري، بل كان محاولة لإعادة ضبط البوصلة. فالمؤسسة المهنية التي تمثل الفنانين تدرك أن استمرار هذه الظاهرة يضر بصورة الفن ذاته، ويحوّل الإبداع إلى ساحة استعراض رقمي.
ولذلك فإنني أضم صوتي بوضوح إلى صوت النقيب الفنان أشرف زكي، ليس فقط دفاعًا عن هيبة المهنة، بل دفاعًا عن فكرة الفن نفسها. فالفن المصري ليس مجرد صناعة ترفيهية عابرة، بل أحد أهم مكونات القوة الناعمة في هذا البلد، وأحد أدواته الثقافية في التأثير داخل المنطقة وخارجها.
إن الفن الذي صنع وجدان أجيال لا يمكن أن يُختزل في سباق مشاهدات، ولا أن يُدار بمنطق “التريند”. الفن الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، لأنه ببساطة جزء من ذاكرة الأمة.
وفي النهاية، قد يربح البعض معركة الأرقام اليوم، وقد يتصدر اسمهم قوائم المشاهدة ساعات أو أيامًا، لكن الزمن – وهو الحكم الأعدل في تاريخ الفن – سيبقى المعيار الحقيقي. فالعمل الذي يحمل قيمة يبقى، أما الضجيج الرقمي فيتلاشى سريعًا كما ظهر. وهنا فقط يظهر الفارق بين من صنع الفن ليبقى، ومن صنعه ليظهر لحظة ثم يختفي.
الأكثر قراءة
-
داخل "شوال" بالصحراء.. العثور على جثمان الصبي المتغيب بالشرقية
-
منحة الـ400 جنيه.. سلع تموينية رديئة و"إتاوات" بالمخازن تبتلع مليارات الدعم
-
تزوجت سرًا من حارس شهير.. من هي البلوجر رنا أحمد؟
-
متى تبدأ ليلة القدر 2026 ومتى تنتهي؟
-
مع تخارج الأموال الساخنة.. الدولار يكسر موجة التراجع ويلامس 53 جنيهًا
-
مصادر لـ"تليجراف مصر" ترجح زيادة مرتقبة بأسعار خدمات المحمول والإنترنت
-
الرغيف بـ2 جنيه رسميًا، ارتفاع أسعار الخبز السياحي والفينو بعد زيادة الوقود
-
بعد أزمة البلوجر.. الشناوي يقاضي مروجي الشائعات ويتخذ إجراءات قانونية
مقالات ذات صلة
التحالف الأمريكي _ الإسرائيلي.. شراكة استراتيجية أم مفصل قوة في هندسة العالم؟
02 مارس 2026 08:59 ص
رامز جلال بين الترفيه المبتذل والإبهار الفارغ
23 فبراير 2026 09:38 ص
رمضان.. سيرة النور في دفاتر القلب
16 فبراير 2026 10:38 ص
بعدهما صار العالم ناقصًا.. سيرة الحزن حين يفقد الإنسان جذوره
02 فبراير 2026 10:05 ص
أكثر الكلمات انتشاراً