الأربعاء، 18 مارس 2026

12:40 ص

مصر رمانة الميزان.. القوة التي تحكم توازن الشرق الأوسط

الشرق الأوسط يشتعل من جديد، والتهديدات تتقاطع في كل اتجاه، والصراعات على وشك الانفجار في أي لحظة. وسط هذا الصخب والتوتر، تتقدم مصر، صامدة كما عهدناها عبر التاريخ، حاملة إرثًا يمتد آلاف السنين، لتعلن للعالم بصوت واضح: أنا الرمانة التي توازن القوى، وأنا المرجعية التي يحسب لها كل حساب. 

هذا ليس مجرد شعارات، بل واقع يثبته اليوم الإعلان الرسمي من إسرائيل نفسها؛ هيئة البث الإسرائيلية (كان) تؤكد أن القاهرة مرشحة لتكون الوسيط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
إعلان كهذا لا يقلل من حجم التحديات، بل يبرز مكانة مصر الفعلية كقوة مؤثرة في الإقليم. فهي ليست دولة عابرة في المشهد السياسي، ولا مجرد طرف ثانوي، بل لاعب رئيسي يحسب له الجميع ألف حساب. وقد جاءت هذه الثقة نتيجة تراكم سنوات من الدبلوماسية المتزنة والخبرة الطويلة، التي جعلت كل الأطراف تراها الطرف الأكثر قدرة على تحقيق التوازن ومنع الانفجار.
الاختيار لمصر لم يأتِ من فراغ، فهو يرتبط بمصداقيتها التاريخية، وعلاقاتها المتينة مع القوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى خبرتها في الملفات الحساسة. الولايات المتحدة تعتبر القاهرة شريكًا موثوقًا يمكن الاعتماد عليه، وإيران ترى فيها قوة متوازنة يمكن أن توصل الرسائل دون تحيّز. هذه الثقة ليست وليدة اللحظة، فهي نتاج سجل طويل من الوساطات التي لعبت فيها مصر دورًا حاسمًا، بدءًا من الصراع العربي الإسرائيلي مرورًا بالأزمات اللبنانية والفلسطينية، وصولًا إلى الوساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن الثقة لا تكفي وحدها، فمصر اليوم تتحرك على الأرض بحكمة وفعالية. 

الرئيس عبد الفتاح السيسي أجرى اتصالًا بالرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان، حثه فيه على وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ودعا إلى منح الدبلوماسية فرصة لتجنب التصعيد. هذا التحرك يعكس إدراك القيادة المصرية لدورها التاريخي، ويؤكد أن القاهرة ليست مجرد مراقب، بل لاعب نشط يضع حدًا للأزمات قبل أن تتحول إلى كوارث. 

كما أن الوساطة تتطلب تواجدًا ملموسًا وتحركًا دبلوماسيًا نشطًا، وهو ما بدأ اليوم مع زيارة وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إلى الدوحة، ضمن جولة خليجية تشمل عدة دول عربية. هذه الجولة ليست مجرد زيارات بروتوكولية، بل رسائل واضحة: مصر موجودة، تؤثر، وتوازن بين القوى. إنها القوة التي يحسب لها الجميع حسابًا قبل اتخاذ أي قرار، والرمانة التي تقيس بها كل خطوة إقليمية. 

القوة المصرية اليوم ليست مرتبطة فقط بالخبرة الدبلوماسية أو العلاقات الدولية، بل بتاريخ طويل من ضبط موازين القوى. فقد كانت القاهرة دائمًا مرجعًا لكل الأطراف في الأزمات الإقليمية، فهي الطرف الذي يلتفت إليه الجميع قبل اتخاذ أي خطوة استراتيجية. من الصراع العربي الإسرائيلي إلى التوترات الخليجية الإيرانية، كانت مصر دائمًا النقطة التي تحدد التحركات، والقوة التي تؤثر في موازين القوى.
لكن الطريق أمام القاهرة ليس سهلاً. الأزمة الحالية متعددة الأبعاد، تشمل السياسة، والعسكرة، والاستخبارات، ويمكن أن تتصاعد بسرعة إذا لم تتم معالجتها بحكمة. وهذا يتطلب من مصر مهارات تفاوضية عالية، قراءة دقيقة للمواقف، والحفاظ على موقف حيادي يضمن قبول جميع الأطراف لجهودها. أي خطأ قد يؤدي إلى تصعيد سريع، فيما النجاح يمكن أن يمنع حربًا محتمَلة ويعيد الاستقرار الإقليمي.
عامل الثقة الشخصية للقيادة المصرية يشكل عنصرًا إضافيًا يرفع مكانة مصر. العلاقات التي بنتها القاهرة مع القادة الإقليميين والدوليين تجعلها لاعبًا محوريًا لا يمكن تجاوزه أو تجاهله. أي طرف يحاول تجاوز مصر أو التقليل من دورها يواجه صعوبة في التأثير على مجريات الأحداث، لأن مكانتها وثقلها السياسي يُحسب له كل حساب في كل خطوة يتم اتخاذها.
التوقيت حاسم أيضًا. التحركات الدبلوماسية المكثفة، مثل الجولة الخليجية الحالية، تعكس إدراك مصر لحساسية الوضع، ورغبتها في استثمار نفوذها التاريخي لمنع اندلاع مواجهة مسلحة. مصر اليوم ليست مجرد وسيط، بل رمانة الميزان التي تقيس بها كل القوى، وتحدد كل خطوة قبل أن تتحرك الأطراف.
النجاح في الوساطة سيعيد تأكيد مكانة مصر كقوة رئيسية في المنطقة، اللاعب الذي يحسب له الجميع حسابًا، والمرجعية التي تنطلق منها كل تحليلات الملفات الإقليمية. أما الفشل، فلن يكون مجرد خسارة دبلوماسية، بل قد يعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي، ويضع القاهرة أمام تحديات كبيرة قد تؤثر على موقعها الاستراتيجي لعقود.
الرسالة من القاهرة واضحة: مصر مستعدة لتكون عند مستوى المسؤولية، لتوازن بين القوى، وتوقف الانهيار قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة مفتوحة. كل الأنظار موجهة إليها، فالشرق الأوسط يعلم أن أي خطوة في المنطقة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مكانة مصر ودورها الفاعل. هي القوة التي تحدد التوازن، والرمانة التي لا يمكن تجاهلها في أي معادلة.
في النهاية، التاريخ يشهد أن مصر ليست مجرد دولة في الإقليم، بل هي القوة التي تُقاس بها كل الحسابات، والمرجع الذي يوقف الفوضى ويعيد الاستقرار. كل من يريد أن يفهم مسار الأحداث القادمة يعرف أن مصر هي النقطة الأساسية التي تبدأ عندها الحسابات، والقوة التي يحسب لها الجميع حسابًا قبل اتخاذ أي خطوة.

search