الخميس، 19 مارس 2026

07:16 ص

ملحمة "الدم والعسل".. "تليجراف مصر" تفتح صندوق أسرار ثورة 1919 في عيد المنيا القومي

ملحمة الدم والعسل.. عيد المنيا القومى

ملحمة الدم والعسل.. عيد المنيا القومى

في قلب "عروس الصعيد"، وتحديدًا بين أروقة مركز ديرمواس، لا تزال جدران "قصر الثورة" تهمس بتفاصيل ليلة لم ينسها التاريخ؛ ليلة اختلطت فيها حلاوة "العسل الأسود" بمرارة الرصاص ودم الشهادة، لترسم ملامح العيد القومي للمنيا. 

"تليجراف مصر" تعيد قراءة أوراق ملحمة 18 مارس 1919، وتروي سيرة البطل المثقف خليل أبو زيد، الذي استبدل مدرجات جامعة "لندن" بخنادق المقاومة الشعبية.

من ضفاف "التايمز" إلى قصر الثورة

لم يكن "خليل أبو زيد" مجرد ثائر يقود جموعًا غاضبة، بل كان تجسيدًا للمثقف الوطني، فهو نجل العمدة "أبو زيد بك علي"، الذي قضى 8 سنوات في بريطانيا يحضِّر الدكتوراه، وعاد إلى وطنه في 5 يناير 1919، أي قبل اندلاع الثورة بشهرين فقط.

يقول الدكتور محمد أبو زيد حفيد “خليل أبوزيد” واحدة من أبرز العائلات المصرية التي أنجبت الأبطال والثوار، وقاد أبناؤها ثورة 1919 في دير مواس، في حديثه لـ"تليجراف مصر": كانت لقاءاته في قصر العمدة – الذي بات يُعرف بقصر الثورة– مركزًا لحشد وتوعية الأهالي، وقد آمن بأن العلم سلاح، فاستخدم لغة المحتل التي أتقنها في أكسفورد ليجبرهم على سماع صوت الحق المصري. 

ملحمة "الدم والعسل".. اليوم الذي توقف فيه الزمن

في 18 مارس 1919، وصلت الأنباء إلى ديرمواس بتحرك قطار إنجليزي قادم من الجنوب، يقل "بوب" مفتش السجون الإنجليزية وعددا من الضباط، لم يتردد خليل أبو زيد، وخرج على رأس 4 آلاف ثائر، وبخطة محكمة سيطروا على "أسطوانة" القطار (مفتاح حركته) وقطعوا شريط السكة الحديد.

وقف "أبو زيد" شامخًا يتحدث الإنجليزية بطلاقة أذهلت المحتلين، مطالبًا بحقوق المصريين، ومع تصاعد المناوشات وإطلاق الإنجليز للرصاص، تحول القطار إلى ساحة معركة، وقفز الثوار فوق العربات، وانتهى المشهد بمقتل المفتش الإنجليزي و7 من جنوده، وفي خضم الاشتباكات، تحطمت أواني العسل الأسود وسالت دماء الشهداء لتختلط به على قضبان السكة الحديد، ومن هنا خلد التاريخ اسم "ملحمة الدم والعسل".

سر تسمية عيد المنيا القومي بـ"ملحمة الدم والعسل"

لم تكن شجاعة "أبو زيد" في الميدان فقط، بل في دهائه السياسي أيضًا، حين جاءت قوات الاحتلال للانتقام بعد 10 أيام، تخفى بينهم كواحد من عامة الشعب، بل وناقشهم بذكاء ليعرف قائمة المطلوبين، ونجح بالفعل في تهريب رفاقه إلى الجبل، لكن حين بدأ التنكيل بالنساء والأهالي، لم يتحمل قلبه الوطني هذا المشهد، فقرر تسليم نفسه مع 91 مناضلًا فداءً لأهالي بلده.

تضحية القائد.. المشنقة التي ولدت عيدًا

لم تنتهِ المعركة برحيل القطار، بل بدأت فصول التضحية، عندما عادت قوات الاحتلال للانتقام، تخفى "أبو زيد" لينقذ رفاقه، وحين بدأ التنكيل بالأهالي والنساء، سلم نفسه بشموخ مع 91 مناضلًا.

انتهت المحاكمة العسكرية في أسيوط بحكم الإعدام لـ 34 بطلًا، كان خليل في مقدمتهم وهو لم يتجاوز الـ 28 من عمره،  لم تكن المشنقة نهاية، بل كانت "الميلاد القومي" لمحافظة المنيا، التي خلّدت هذا اليوم (18 مارس) عيداً لكرامتها.

المنيا 2026.. استكمال مسيرة البناء

اليوم، وفي الذكرى الـ107 للملحمة، لا تكتفي المنيا بالاحتفال البروتوكولي؛ فبينما يضع اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، إكليل الزهور، تتحول ديرمواس إلى ورشة عمل كبرى تحت مظلة "حياة كريمة".

مطالب شعبية وتوثيق درامي

من جانبه، وجه الدكتور محمد أبو زيد نداءين عبر “تليجراف مصر”، أحدهما لوزارة الأوقاف بتخصيص الـ 21 فدانًا المتبقية من "وقف عائلة أبو زيد" للمنفعة العامة لبناء مشروعات تخدم شباب ونساء ديرمواس.

والنداء الآخر للهيئة الوطنية للإعلام بضرورة تحويل هذه الملحمة –التي لم يشهد تاريخ الإمبراطورية البريطانية تصدياً مدنياً لعسكريين مثلها– إلى عمل درامي تاريخي يخلد بطولات الصعيد للأجيال القادمة. 

هذا ستظل ديرمواس دائماً هي "الأرض التي لا تغيب عنها الشمس"، ففيها أطلق إخناتون دعوة التوحيد، وفيها سطر خليل أبو زيد بدمائه أسمى آيات التحرير.

search