من الجائحة إلى الحرب.. سر هذه الثقة؟
في الأيام الأولى لجائحة كورونا، لم يكن أحد يتخيل أن العالم على وشك أن يتغير بهذه القسوة، كنا نظن أنها مجرد أزمة عابرة، بضعة أسابيع ونعود إلى حياتنا الطبيعية، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً؛ شهور طويلة من القلق، مدن صامتة، وحدود مغلقة، وعالم يتعلم كيف يعيش في عزلة!
ورغم ذلك، كان هناك مكان واحد يبدو مختلفاً في طريقة تعامله مع الأزمة.. الإمارات.
عشنا شهوراً من القيود، نعم، لكننا لم نشعر أننا تُركنا وحدنا، المقيم في الإمارات لم يكن ضيفاً، بل كان جزءاً من منظومة الحماية، والرعاية، والقرارات، وحتى الخطاب الرسمي، كلها كانت تقول شيئاً واحداً: لست وحدك هنا.
واليوم، ومع تصاعد التوترات والحرب في المنطقة، يعود السؤال القديم في ثوب جديد: هل يجب أن نقلق؟
الإجابة التي تسمعها في كل مكان ليست صاخبة لكنها واضحة، الناس هنا لا يتعاملون مع الحرب باعتبارها نهاية، بل كأزمة أخرى ستُدار.
ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل ذاكرة قريبة تقول إن هذه الدولة حين تُختبر، تنجح.
خلال الجائحة، لم يكن الخوف من المرض وحده، بل من المجهول. ومع ذلك، كانت القرارات تُتخذ بسرعة، والمعلومات تُعلن بشفافية، والخدمات تصل إلى الجميع دون تمييز.
لم نكن نبحث عن الطمأنينة.. بل كانت الطمأنينة هي التي تصل إلينا، وهذا الفارق هو كل شيء، لأن الأزمات لا تُقاس فقط بحجمها، بل بكيفية إدارتها.
هناك دول واجهت الجائحة بإمكانيات ضخمة لكنها ارتبكت، وهناك دول أصغر لكنها امتلكت وضوح الرؤية، الإمارات اختارت أن تكون من النوع الثاني .. الحاسم.
اليوم، المشهد مختلف، نعم، نحن أمام حرب، لا وباء.. تهديد مرئي لا خفي، لكن رد الفعل داخل الإمارات لا يعكس حالة انهيار أو ذعر، بل يعكس شيئاً أكثر عمقاً.. ثقة متراكمة.
ثقة صنعتها تجربة قريبة، حين وجد الناس أنفسهم في قلب أزمة عالمية، ولم يسقطوا، وربما لهذا، لا يتحدث كثير من المقيمين اليوم عن الرحيل، بل عن الاستمرار، لا لأنهم لا يرون المخاطر، بل لأنهم يعرفون أين يقفون.
وهنا يكمن الفارق بين الخوف والقلق، فالخوف يدفعك للهروب، أما القلق، حين يكون مصحوباً بالثقة، فيدفعك للثبات..
الإمارات اليوم لا تعِد بأن العالم سيكون آمناً، لكنها تثبت مرة أخرى أنها قادرة على أن تكون مكاناً آمناً داخل عالم مضطرب.
ولهذا، لا يبدو غريباً أن يختصر كثيرون المشهد بجملة بسيطة:
"مررنا بما هو أصعب.. وسنمر من هذا أيضاً".
زيارة مهمة في توقيت مثالي
وفي خضم هذا المشهد المليء بالضجيج، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دولة الإمارات كرسالة هادئة لكنها عميقة التأثير، فبعد أيام من تراشق غير مبرر على مواقع التواصل الاجتماعي، عكس توتراً سطحياً لا يمتد إلى جوهر العلاقات بين الشعبين المصري والإماراتي أو الخليجي بشكل عام، بدت الزيارة وكأنها إعادة ضبط للبوصلة.
هذه ليست زيارة بروتوكولية، بل تأكيد عملي على أن العلاقات بين مصر والإمارات أكبر من أي جدل عابر، وأعمق من أن تهتز تحت ضغط لحظة أو حرب.
ففي توقيت تتصاعد التوترات الإقليمية، تحمل الزيارة دلالة واضحة، أن التحالفات الحقيقية تُقاس في الأزمات، وأن ما يجمع البلدين ليس فقط مصالح، بل تاريخ مشترك ورؤية متقاربة لكيفية إدارة الاستقرار في منطقة تموج بالتحديات.
أخيراً أود القول أنني أكتب هذه الكلمات لا بحثاً عن مصلحة، ولا سعياً وراء رضا أحد، فطوال سنوات إقامتي في الإمارات، كنت أؤدي عملي كما ينبغي، وأعيش حياتي كما يعيش أي إنسان يبحث عن الاستقرار والكرامة، دون حاجة إلى تملق أو ادعاء، لكن هناك لحظات يصبح فيها الصمت نوعاً من الجحود.
ما رأيناه في الأزمات، وما عشناه في التفاصيل اليومية، لا يمكن اختزاله في كلمات عابرة أو مجاملات مؤقتة، هو شعور يتراكم مع الوقت، ويتحول إلى يقين بسيط: أن الإمارات ليست مجرد محطة، بل تجربة إنسانية كاملة.
قد نختلف، وقد نقلق، وقد تمر بنا لحظات صعبة كما يحدث في أي مكان في العالم.. لكن يبقى هناك شيء ثابت لا يتغير: إحساس بأنك لست وحدك هنا.
ولهذا، حين أقول إن هذه الأزمة ستمر، لا أقولها بدافع التفاؤل فقط.. بل بدافع تجربة عشتها، ورأيت كيف يمكن لدولة أن تتحول في أصعب اللحظات إلى مساحة طمأنينة.
ربما لهذا السبب، يتمسك كثيرون بالبقاء هنا.
ليس لأنهم لا يرون العالم وتحدياته ومخاوفه من حولهم.. بل لأنهم وجدوا في هذا المكان ما يستحق أن يُتمسك به.
الأكثر قراءة
-
بعد واقعة الشقة الإيجار.. كاهن كنيسة مارمرقس: الجيل الجديد معندهوش احترام كافي
-
لم تلق استجابة.. استغاثة والد ضحية طائرة التدريب من إهمال المستشفى قبل وفاة ابنته
-
بسبب "شريحة موبايل".. شقيقة طالب حاسبات تكشف تفاصيل تورطه في قضية مخدرات
-
أسعار الذهب ترتفع رغم تشدد الفيدرالي الأمريكي.. ما الأسباب؟
-
مع إجازة البنوك.. سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الخميس 18 يونيو 2026
-
متهم بالتحرش.. الكنيسة الإنجيلية تفصل القسيس لطيف رمسيس من منصبه
-
وداعاً للفاتورة العالية.. 8 نصائح ذهبية لترشيد استهلاك الكهرباء
-
وفاة الطالبة منار حامد متأثرة بإصابتها في سقوط طائرة تدريب بأكتوبر
مقالات ذات صلة
أبوان جاحدان.. وطفل باعه الجميع!
12 يونيو 2026 02:42 م
المستشار محمد نجيب يكتب: حين تصبح المحاسبة أمراً غريباً!
08 يونيو 2026 07:06 م
من سجل وسرّب حديث "نهاد أبو القمصان"؟!
03 يونيو 2026 06:07 م
المستشار محمد نجيب يكتب: نحن نولد خبراء
02 يونيو 2026 07:06 م
عندما تتحول "الكرة" إلى "كراهية"!
30 مايو 2026 07:10 م
فرصة نادرة لاستعادة الروح
28 مايو 2026 01:23 م
المستشار محمد نجيب يكتب.. ماذا يحدث لنا؟
21 مايو 2026 07:21 م
الوجع.. هل يمكن أن تكون سببا في حبس ابنتك؟
15 مايو 2026 03:20 م
أكثر الكلمات انتشاراً