في زمن الخوف.. كيف كسبت الإمارات الرهان الإنساني؟
في أوقات الحروب، لا تُقاس قوة الدول فقط بعدد الصواريخ التي تعترضها، ولا بحجم الخسائر التي تتفاداها، بل بقدرتها على الحفاظ على الإنسان.. على طمأنينته، وعلى ثقته في المكان الذي يعيش فيه.
ومنذ اندلاع الأحداث الأخيرة، وحتى إعلان الهدنة أمس بعد ساعات من الترقب والخوف، وجدت الإمارات نفسها في قلب اختبار صعب، ربما كان من بين الأقسى في تاريخ المنطقة الحديث. ومع ذلك، لم تكن النتيجة مجرد صمود عسكري، بل تجربة إنسانية متكاملة كشفت عن معدن مختلف.
أنا أحدّثكم من قلب الإمارات، حيث مدينة دبي، ورغم كل المشاهد التي كانت تُبث في وسائل الإعلام، والشائعات التي تستهدف الدولة، إلا أننا كنا نمارس حياتنا بشكل طبيعي ولم تتعطل مصالحنا أو تنقطع روابطنا الأسرية والاجتماعية.
رغم الضربات، ورغم التوتر، ورغم المشاهد التي كانت كفيلة بأن تدفع أي إنسان للتفكير في الرحيل، اختار معظم المقيمين والوافدين البقاء، بل إنني شخصيا كنت خارج الدولة في أول أيام الحرب، ولم يغمض لي جفن قبل العودة قبل موعدي.
قرار البقاء ليس ساذجا أو نابعا عن سوء تقدير، بل انعكاس لعلاقة ثقة عميقة بين الإنسان والمكان.
ففي اللحظات التي يتراجع فيها الشعور بالأمان في أي بقعة من العالم، يبحث الإنسان تلقائيا عن ملاذ آخر.
لكن ما حدث هنا كان العكس تماماً، الناس لم تغادر، بل تمسكت بالبقاء.
وربما هنا تبدأ زاوية أخرى من المشهد.. زاوية “المكسب والخسارة”.
ففي الحسابات التقليدية، تُقاس الحروب بما تخلّفه من خسائر مادية، وتعطيل في الاقتصاد، وضغط على البنية التحتية، وهي كلها عوامل لا يمكن إنكارها أو التقليل من تأثيرها.
لكن في المقابل، هناك نوع آخر من المكاسب لا يظهر في الأرقام، مكاسب تتعلق بالثقة، وبصورة الدولة في أعين من يعيشون فيها، وبقدرتها على تحويل الأزمة إلى لحظة تماسك.
أن تختار الأغلبية البقاء، وأن تستمر الحياة، وأن يشعر الناس بأنهم ليسوا وحدهم، هذه ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات عميقة على قوة البنية المجتمعية، وعلى نجاح الدولة في إدارة أخطر ما في الحروب وهو "الخوف"..
وربما كان المشهد الأكثر تعبيرا.. خلال تلك الأحداث والأيام الصعبة، أن تتواجد القيادة الإماراتية نفسها بين الناس، رئيس الدولة، ونائبه، والشيوخ والمسؤولون، يتجولون في المراكز التجارية، في الأماكن العامة، في توقيت كان من الطبيعي أن يختار فيه أي مسؤول البقاء بعيداً عن المشهد.
لكن الرسالة كانت واضحة: نحن هنا… معكم.
هذه ليست لقطة بروتوكولية، بل موقف إنساني له تأثير مباشر على الناس، أن ترى من يقودك يشاركك نفس المساحة، ونفس اللحظة، ونفس المشاعر.. فهذا كفيل بأن يبدد نصف الخوف.
وفي سياق حسابات المكسب أيضا، تظهر نقطة ربما تكون الأهم، أن الدولة لم تسمح للأزمة أن تعيد تعريفها.
ففي كثير من التجارب، تتحوّل الحروب إلى لحظة انكفاء أو تشدد أو انغلاق، لكن ما حدث هنا كان مختلفاً.
استمرت الإمارات في تقديم نفسها كدولة مفتوحة، آمنة، وقادرة، دون أن تتخلى عن إنسانيتها أو عن نمط حياتها، وهذا في حدّ ذاته مكسب استراتيجي، لأن الحفاظ على "صورة الدولة" في زمن الأزمات لا يقل أهمية عن إدارة الأزمة نفسها، وفيما أشاع البعض أن الدولة سوف تضيق على الجالية الإيرانية، أكدت في بيان رسمي أن الإيرانيين جزء من نسيج المجتمع، بل يحظون بالدعم والرعاية.
وفي الوقت نفسه، وخلال تلك الفترة الصعبة، أثبتت الإمارات قدرة لافتة على إدارة المشهد، ليس فقط على مستوى الدفاع، بل في الحفاظ على انتظام الحياة ..الطرق تعمل، المؤسسات مستمرة، الخدمات لم تتوقف، وكأن الدولة تقول: نحن نحمي الحياة.. لا نوقفها.
بل أزيدكم من الشعر بيتا، في الوقت الذي هرولت شعوب بدولة متقدمة على تخزين وتكديس الأطعمة والمشروبات والأدوية، كانت الأسواق هنا تعمل بصورة أكثر من اعتيادية وتوفّر كل الاحتياجات، ولم نشعر بأزمة في يوم واحد.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي.. بين دولة تدير أزمة، ودولة تحتوي مجتمعا.
الإمارات، في هذا الاختبار، لم تقدّم نفسها فقط كدولة قادرة، بل كدولة إنسانية، دولة تفهم أن الأمن ليس فقط في السماء، بل في شعور الناس على الأرض.
قد تختلف الحسابات السياسية، وقد يبقى المستقبل مفتوحا على احتمالات كثيرة، لكن ما تحقق بالفعل لا يمكن إنكاره، أن هذه الدولة، في أصعب لحظاتها، دافعت عن نفسها بكل بسالة وشجاعة، لم تفقد إنسانيتها.. ولم تفقد ثقة من يعيشون على أرضها.
وهذا، في زمن الحروب، هو المكسب الحقيقي..
الأكثر قراءة
-
"عمهم دهس شرفهم"، أم الفتاتين ضحية الاعتداء في المنوفية تكشف تفاصيل قاسية
-
هل دفعت متلازمة القلب المكسور شاب المظلات للنهاية المأساوية؟ استشاري يوضح
-
هل البنوك إجازة غدا الخميس؟ تعرف على إجازات أعياد المسيحيين في مصر
-
بملابس المدرسة.. وفاة تلميذ دهسته سيارة نقل بـ “النزهة الجديدة ”
-
حلول لوجستية ذكية.. "يونيون كورير" تعزز حضورها بسوق الشحن المصري
-
اعتداءات تجاوزت حدود الخيال، محامية تكشف تفاصيل صادمة في وفاة طفلة المنوفية
-
"شلاتين" ترفع توريد الذهب للبنك المركزي 12%.. هل يتأثر سعر السوق؟
-
صندوق النقد يحذر من "تعافٍ بطيء" حال استمرار السلام بعد وقف حرب إيران
مقالات ذات صلة
صناعة الغضب
30 مارس 2026 07:53 م
حين يصبح العالم ثقيلًا على القلب
28 مارس 2026 06:23 م
فؤاد الهاشم .. حين يتحول الغرور إلى جهل!
24 مارس 2026 10:58 م
من الجائحة إلى الحرب.. سر هذه الثقة؟
19 مارس 2026 03:19 م
أكثر الكلمات انتشاراً