الأحد، 05 أبريل 2026

06:33 م

معضلة "السلم والثعبان"، الاحتياج الجسدي المسكوت عنه

هناك أشياء لا تُقال، لا لأنها غير موجودة، بل لأنها مُحرجة بما يكفي لتُدفن داخل الصمت. أشياء تعيش بين الأزواج، تتحرك في المسافات الضيقة بين كلمة وأخرى، لكنها لا تجد طريقها إلى التعبير. الاحتياج الجسدي واحد من تلك الملفات المغلقة، التي ظلّت لسنوات طويلة تُدار في الخفاء، إلى أن قررت السينما أن تفتحها على الملأ، وتضعها تحت ضوء لا يرحم.

ومع عرض فيلم “السلم والثعبان 2: لعب عيال"، لم يكن الجدل مجرد رد فعل على مشاهد أو حوارات، بل كان في حقيقته انفجارًا لسؤال قديم: هل كل ما يُعاش يمكن عرضه؟ وهل كل ما يُعرض يُقدَّم بالضرورة بالشكل الصحيح؟

الفيلم، الذي جاء بإخراج طارق العريان وبطولة عمرو يوسف وأسماء جلال، إلى جانب نخبة من النجوم، حاول أن يقترب من منطقة شديدة الحساسية… منطقة الاحتياجات الجسدية داخل العلاقة، ليس باعتبارها تفصيلة هامشية، بل كعنصر محوري في استقرارها أو انهيارها. وهنا تحديدًا بدأ الانقسام.

فريق رأى أن الفيلم تجرّأ على كسر صمت مزمن، وأنه اقترب من واقع يتجنبه الجميع رغم تأثيره العميق. وفريق آخر رأى أن ما حدث لم يكن طرحًا بقدر ما كان تضخيمًا، وأن السينما لم تكتفِ بفتح الملف، بل بالغت في تسويقه، وقدّمته بطريقة قد تُربك المعنى بدل من أن توضّحه.

وبين هذا وذاك، تبرز مشاهد بعينها كانت محور الاعتراض، ليس لأنها صادمة بذاتها، بل لأنها قدّمت الفكرة بطريقة مباشرة ومكثفة. مشاهد حوارية بين زوجين يناقشان احتياجاتهما الجسدية بشكل صريح، دون مواربة، وكأن ما كان يُقال همسًا أصبح يُقال بصوت عالٍ. 

مشاهد أخرى تُظهر محاولات للتعامل مع هذا الاحتياج خارج الإطار التقليدي، أو التفكير في بدائل بدافع الملل أو الفتور العاطفي. لم تكن المشكلة في وجود هذه الأفكار، فهي موجودة بالفعل في الواقع، لكن طريقة تقديمها جعلت البعض يشعر أن الخط الفاصل بين التوعية والتطبيع قد أصبح ضبابيًا.

وهنا تحديدًا يكمن جوهر الأزمة. ليس كل طرح جريء يُعدّ واعيًا، وليس كل كشف للمسكوت عنه يُعدّ شجاعة. أحيانًا، تتحول الجرأة إلى استعراض، ويتحوّل الطرح إلى خطاب مشوّه، لا لأنه يتحدث عن الخطأ، بل لأنه يقدّمه دون سياق كافٍ يوازن بين الفهم والمسؤولية.

السينما تمتلك قوة هائلة… ليست فقط في نقل الواقع، بل في إعادة تشكيله. وما يُعرض على الشاشة لا يبقى هناك، بل يتسلل بهدوء إلى وعي المشاهد، ويعيد تعريف المقبول والمرفوض. وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل ما قُدّم في الفيلم ساعد على فهم المشكلة، أم ساهم في إعادة صياغتها بشكل قد يُربك العلاقات بدل أن ينقذها؟

لكن بعيدًا عن الشاشة… وبعيدًا عن الجدل، هناك واقع أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة في الوقت نفسه. واقع يعيش فيه زوجان تحت سقف واحد، يتشاركان تفاصيل الحياة اليومية، لكنهما يختلفان في أبسط ما يجب أن يتفقا عليه: الاحتياج.

تضارب الرغبات ليس فكرة نظرية، بل واحدة من أكثر الأسباب الخفية للمشاكل الزوجية. زوج يرى أن القرب الجسدي لغة حب أساسية، لا تكتمل العلاقة بدونها. وزوجة قد ترى الأمر من زاوية مختلفة تمامًا، ربما لا تعطيه نفس الأولوية، وربما لا تشعر به بنفس الدرجة، وربما – وهذا هو الأهم– لم تكتشف طبيعة احتياجها من الأساس إلا بعد الزواج.

هنا تبدأ الفجوة.

ليس لأن أحدهما مخطئ، بل لأن كليهما يتحدث بلغة لا يفهمها الآخر. هو يطلب، وهي لا تستجيب كما يتوقع. هي تتجاهل، وهو يفسر ذلك كرفض أو تقصير. ومع الوقت، لا تعود المشكلة في الاحتياج نفسه، بل في ما يترتب عليه من مشاعر: إحباط، غضب، شعور بالرفض، وربما اتهامات غير معلنة بالأنانية.

والمفارقة أن هذه المشكلة نادرًا ما تُقال بصوت واضح. لا أحد يذهب إلى أهله ليقول: نحن نختلف في احتياجاتنا الجسدية. بدلًا من ذلك، تُصنع مشاكل بديلة… خلافات على تفاصيل يومية، نقاشات حول أمور لا تستحق، وكأن الحقيقة تُخفى خلف ستار من التفاصيل الصغيرة.

يتدخل الأهل، يحاولون الإصلاح، يقدّمون النصائح المعتادة: “كبّروا دماغكم”، “دي حاجات بسيطة”، “ما تستاهلش الزعل”… بينما المشكلة الحقيقية لا تُقال، ولا تُفهم، ولا تُحل.

ويعود الزوجان إلى الحياة… لكن ليس كما كانت. يعودان لأن هناك ما يُبقيهما: أطفال، مجتمع، التزامات، أو حتى خوف من الانفصال. لكن ما يعود هو الشكل، أما الجوهر فقد تغيّر. تصبح العلاقة باهتة، بلا حرارة، بلا شغف، بلا ذلك الشعور الذي يجعل القرب رغبة لا واجبًا.

كل طرف يرى الآخر أنانيًا. هو يشعر أنها لا تهتم بما يحتاج، وهي تشعر أنه لا يرى منها إلا هذا الجانب. وبين هذا وذاك، تضيع مساحة التفاهم.

المشكلة هنا أعمق مما تبدو. ليست فقط في اختلاف الرغبات، بل في غياب الوعي بها. كثير من الأزواج يدخلون الزواج دون أي فهم حقيقي لطبيعة الاحتياج الجسدي، أو لأهميته، أو لكيفية التعبير عنه. التربية لا تتحدث، والتعليم لا يشرح، والمجتمع يكتفي بالصمت… ثم يتوقع من الجميع أن يعرفوا كيف يديرون علاقة بهذا التعقيد.

ومع غياب الوعي، يظهر العناد. كل طرف يتمسك برؤيته، لا بدافع القسوة، بل بدافع الدفاع عن نفسه. هو يرى أنه يطلب حقًا مشروعًا، وهي ترى أنها لا تُجبر على ما لا تشعر به. ومع الوقت، يتحول الاحتياج إلى معركة كرامة، ويصبح التنازل هزيمة، لا محاولة للفهم.

وهنا تصل العلاقة إلى طريق مسدود.

ليس لأن الحل مستحيل، بل لأن الباب الذي يؤدي إليه لم يُفتح من البداية: باب الحوار الآمن. الحوار الذي لا يتضمن اتهامًا، ولا يُشعر أحد الطرفين بالضغط، بل يقوم على الفهم الحقيقي لما يحتاجه كل طرف، ولماذا يحتاجه.

ومن هنا، يمكن العودة إلى النقطة التي بدأ منها الجدل. هل الحل في كسر التابو؟ أم في فهمه؟

الحقيقة أن كسر الصمت مهم… لكن ليس بأي طريقة. ليس عبر تقديم الفكرة بشكل قد يُفهم على أنه دعوة، أو تطبيع، أو حتى تبسيط لمشكلة معقدة. الطرح المسؤول لا يكتفي بعرض المشكلة، بل يضعها في سياقها، ويُظهر أبعادها النفسية والإنسانية، لا فقط مظاهرها السطحية.

الاحتياج الجسدي داخل العلاقة ليس عيبًا، ولا ترفًا، بل جزء أصيل من تكوينها. لكنه في الوقت نفسه ليس مجرد فعل، بل لغة… لغة تحتاج إلى فهم، وإلى توقيت، وإلى توافق. وعندما تُفقد هذه اللغة، لا تختفي الرغبة، بل تتحول إلى فجوة.

وهنا، لا يكون الحل في الهروب، ولا في التصعيد، بل في الاقتراب… في محاولة فهم ما لم يُفهم، وقول ما لم يُقال، دون خوف أو خجل.

العلاقات لا تنهار بسبب الاحتياج… بل بسبب سوء إدارته. بسبب الصمت عنه أحيانًا، أو بسبب طرحه بطريقة خاطئة أحيانًا أخرى. وبين الصمت والضجيج، تضيع المعاني الحقيقية.

قد ينجح فيلم في إثارة الجدل، وقد يفتح بابًا للنقاش، لكنه لا يستطيع أن يكتب نهاية القصة. النهاية تُكتب داخل البيوت، في تلك الغرف المغلقة، حيث لا كاميرات، ولا جمهور… فقط شخصان، يحاولان أن يفهما بعضهما، أو يفشلان في ذلك.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي لا تحتاج إلى سينما لتأكيدها: أن القرب لا يُقاس فقط بالمسافة، بل بالفهم… وأن الاحتياج، مهما كان مشروعًا، يفقد معناه إذا قُدّم بخطاب يُشوّه جوهره.

search