السبت، 25 أبريل 2026

03:52 م

د. أمل منصور

أحببتك أكثر مما يجب.. فغبت أكثر مما يُحتمل

ليست كل الزيادات فضيلة…فبعضها يفسد المعنى بدل أن يُثريه.

الحب، رغم جماله، ليس استثناءً من هذه القاعدة. هناك لحظة دقيقة، غير مرئية، يتحول فيها الحب من شعور دافئ يُحيي القلب، إلى عبء غير مُعلن يرهق الطرف الآخر دون أن يدرك السبب.

أن تُحب أكثر مما يجب… لا يعني أنك أكثر وفاءً، بل أحيانًا يعني أنك تتجاوز المساحة التي تسمح للآخر أن يختارك بإرادته.

الحب المتوازن لا يصرخ، لا يطارد، لا يفرض نفسه على تفاصيل الطرف الآخر… بل يترك مساحة للتنفس، للرغبة، للحنين.

لكن ماذا يحدث عندما يتحول الحب إلى حضور طاغٍ؟ إلى اهتمام لا ينقطع؟ إلى تواجد دائم لا يترك فراغًا للاشتياق؟

هنا تبدأ الحكاية التي لا تُقال بصوت عالٍ…

حكاية الطرف الذي أحب أكثر، والطرف الذي بدأ يختنق دون أن يعترف.

في الحالة التي يكون فيها الرجل هو من أحب أكثر مما يجب…

نجد رجلًا قرر أن يُعطي بلا حساب. يطمئن، يسأل، يهتم، يحاول أن يكون حاضرًا في كل تفصيلة، يعتقد أن هذا هو الشكل الأمثل للحب. يظن أن كثرة العطاء ستُشعر المرأة بالأمان، وأن الحضور المستمر سيُقرب المسافات.

لكنه، دون أن يدري، يسحب من العلاقة أهم عنصر فيها: الشوق.

المرأة، بطبيعتها العاطفية، لا تحتاج إلى رجل يُغرقها بالاهتمام بقدر ما تحتاج إلى رجل يُشعرها بأنها تريده، لا أنه متاح دائمًا دون مقاومة.

ومع مرور الوقت، تبدأ تشعر بشيء لا تستطيع تفسيره بسهولة… ليس مللًا صريحًا، وليس رفضًا واضحًا… لكنه نوع من الفتور، كأن المشاعر لم تعد تتحرك بنفس الحماس.

وهنا يبدأ انسحابها الصامت.

لا لأنها لا تُقدّر… بل لأنها لم تعد تشعر بنفس التوازن.

الرجل الذي كان يظن أنه يقترب، لم ينتبه أنه ألغى المسافة التي تُبقيها راغبة في الاقتراب.

فيتحول من اختيار إلى أمر مُسلّم به، ومن شغف إلى عادة.

وفي المقابل…

المرأة لا ترى نفسها ظالمة، بل ترى أنها فقط لم تعد تشعر بنفس الاندفاع.

هي لم تطلب كل هذا، ولم تقل له أن يُعطي بهذا الشكل، لكنها أيضًا لم تمنعه.

وهنا تكمن المفارقة…

الصمت في البداية يبدو قبولًا، لكنه أحيانًا يكون مجرد عدم وعي بالعواقب.

أما في الحالة العكسية…

عندما تكون المرأة هي من أحبّت أكثر مما يجب، فالقصة تأخذ شكلًا آخر، لكنه يحمل نفس النتيجة.

امرأة قررت أن تكون كل شيء: حنان، دعم، اهتمام، احتواء، تفهم، صبر بلا حدود.

تعطي بلا شروط، تُبرر، تنتظر، تتغاضى، تُحاول إصلاح كل خلل، وتُقنع نفسها أن الحب الحقيقي يعني أن تتحمل أكثر.

تُعطي حتى تتجاوز نفسها، وحتى تصبح هي آخر أولوياتها.

الرجل، في هذه الحالة، قد لا يكون سيئًا بطبعه… لكنه يتكيف بسرعة مع هذا العطاء الزائد.

يعتاد أن يجدها دائمًا، أن تسامح دائمًا، أن تُبادر دائمًا.

ومع الوقت، يفقد الإحساس بقيمة ما يحصل عليه بسهولة.

ليس لأنه لا يشعر… بل لأن النفس البشرية لا تُجيد تقدير ما لا تُبذل فيه جهدًا.

فيبدأ في الانسحاب التدريجي، ليس هروبًا، بل لأن العلاقة لم تعد تتطلب منه الكثير.

هي تقوم بكل الأدوار… فلماذا يُحاول؟

والمرأة هنا تعيش صراعًا داخليًا مؤلمًا…

كيف يمكن أن يكون كل هذا الحب غير كافٍ؟

كيف يمكن أن تعطي كل شيء، ولا تحصل على ما يكفي لتشعر أنها مهمة؟

تبدأ في لوم نفسها، ثم لومه، ثم تعود لتبريره، ثم تنهك في دائرة لا تنتهي.

إلى أن تصل للحظة الإدراك القاسية:

أنها لم تخسر لأنه لا يحبها… بل لأنها أحبّت بطريقة ألغت توازن العلاقة.

الحقيقة التي يصعب تقبّلها…

أن الحب لا يُقاس بكمّ العطاء فقط، بل بقدرته على الحفاظ على التوازن.

أن تُحب، لا يعني أن تُلغي نفسك.

وأن تُعطي، لا يعني أن تتحمل وحدك مسؤولية استمرار العلاقة.

في كلتا الحالتين…

سواء كان الرجل أو المرأة هو من أحب أكثر مما يجب… النتيجة واحدة:

طرف يرهق نفسه في العطاء، وطرف يفقد شعوره بالاحتياج.

العلاقة الصحية ليست ساحة تضحية مفتوحة، بل مساحة تبادل متوازن.

فيها أخذ وعطاء، قرب ومسافة، حضور وغياب بسيط يسمح بعودة الشوق.

الغياب الذي يحدث بعد الحب الزائد، ليس دائمًا غيابًا جسديًا…

بل غياب في الإحساس، في الرغبة، في الدافع.

وهذا النوع من الغياب هو الأصعب… لأنه لا يُناقش، ولا يُحل بسهولة.

أخطر ما في الأمر…

أن الطرف الذي أحب أكثر، غالبًا لا يفهم أين أخطأ.

يظن أن المشكلة في الطرف الآخر، في عدم التقدير، في القسوة، في الجحود.

ولا يرى أن الحب الزائد، دون وعي، قد يكون شكلًا آخر من فقدان الحدود.

الحب الناضج لا يعني أن تُعطي كل ما لديك دفعة واحدة…

بل أن تُبقي جزءًا منك ينتظر، يتريث، يراقب، يُوازن.

أن تجعل الآخر يختارك، لا أن تُقدّم نفسك بشكل كامل قبل أن يتأكد من رغبته فيك.

ليس المطلوب أن نحب أقل…

بل أن نحب بوعي.

أن نفهم أن الشوق يحتاج إلى مسافة،

وأن التقدير يحتاج إلى جهد،

وأن الاستمرار يحتاج إلى توازن.

“أحببتك أكثر مما يجب… فغبت أكثر مما يُحتمل”

ليست مجرد جملة مؤلمة…

بل وصف دقيق لعلاقة بدأت بفيض من المشاعر، وانتهت بجفاف غير متوقع.

والدرس الذي يبقى…

أن الحب، إن لم نحسن استخدامه، قد يتحول من أجمل ما فينا… إلى السبب في خسارتنا.

search