الخميس، 09 أبريل 2026

02:53 ص

رحلة جديدة للكتان.. الذهب الأخضر يتمدد من وجه بحري إلى صحراء المنيا

زراعة الكتان في محافظة المنيا

زراعة الكتان في محافظة المنيا

من رمالٍ قاحلة كانت تذروها الرياح، إلى بساطٍ أخضر يمتد على مساحة 600 فدان، سطرت قرية “بلنصورة” بمحافظة المنيا قصة نجاح استثنائية مع محصول الكتان.

هذه التجربة الرائدة، التي تُنفذ لأول مرة بالظهير الصحراوي الغربي، لم تكن مجرد حصاد لمحصول زراعي، بل كانت تعبيرا عن إرادة المزارع المصري الذي استطاع أن يحول “الذهب الأخضر” إلى واقع ملموس يفتح آفاق التنمية المستدامة في قلب الصحراء.

في خطوة وصفت بأنها "مغامرة زراعية محسوبة"، شهدت أراضي الصعيد تجربة هي الأولى من نوعها لزراعة محصول "الكتان" بمساحات واسعة، في محاولة لنقل خبرات الدلتا إلى تربة الوجه القبلي، وفتح آفاق اقتصادية جديدة لمزارعي المنطقة.

نقل الخبرة من الغربية إلى الصعيد

بدأت القصة مع المهندس سيد إسماعيل، الذي قضى أكثر من 8 سنوات في مزارع محافظة الغربية (معقل زراعة الكتان في مصر)، لم يكتفِ سيد بالعمل هناك، بل قرر نقل "سر الصنعة" إلى مسقط رأسه في الصعيد.

يقول إسماعيل: “الفكرة بدأت من احتكاكي بصناعة الكتان في الوجه البحري، وبعد دراسة استمرت أيامًا مع أسرتي، قررت خوض التحدي وزراعة 15 فدانًا دفعة واحدة، رغم نصائح البعض بالبدء بمساحة أصغر، لكن احتياجات التصنيع والمصبغة تتطلب مساحات لا تقل عن 5 إلى 6 أفدنة لتكون اقتصادية".

تحدي الملوحة.. كيف طوع "سيد" تربة الصعيد؟

واجهت التجربة عقبات تقنية منذ البداية، أبرزها ارتفاع نسبة الملوحة في أراضي الصعيد مقارنة بأراضي الدلتا “الزرقاء”، وقد استخدم المهندس الزراعي حلولًا علمية دقيقة بدأت بتحليل التربة، مرورًا بالمعالجة الكيميائية بالجبس الزراعي، وصولًا إلى نظام "الرعاية المكثفة" الذي شمل تصوير النباتات دوريًا ومتابعتها مع استشاريين متخصصين، لضمان نمو المحصول.

وأضاف المهندس الزراعي: يمتد عمر الكتان في الأرض لنحو 5 أشهر ونصف، حيث تبدأ زراعته من منتصف شهر أكتوبر وحتى نوفمبر، ويتميز بأنه محصول "قنوع" في استهلاك الأسمدة، حيث يحتاج الفدان لشيكارة كيماوي واحدة فقط، لكنه يتطلب دقة شديدة في "البذر" لضمان كثافة المحصول، ورشاً دورياً لمكافحة الحشائش والفيروسات (مثل الندوة والذهبية) التي تزداد مخاطرها مع "الشبورة" الصباحية.

وأوضح: يحتاج الفدان لنحو 55 كيلو جرامًا من البذور (يتم استيراد بعض أصنافها من فرنسا) وتصل تكلفة الفدان التقديرية (شاملة التقاوي، المعالجة، والعمالة) إلى أرقام مرتفعة نتيجة تكاليف معالجة التربة والمتابعة، وقد تتجاوز المليون جنيه للمشروع بالكامل.

توفير فرص عمل و"لقمة عيش" للشباب

وأكد صالح محمود أحد المزارعين المشاركين في الحصاد أن التجربة أثبتت جدواها، قائلًا: أكثر ما يفرحنا في هذا المشروع هو توفير فرص العمل، فمنذ العاشر من رمضان ونحن نستعين بالعمال (الأنفار) يوميًا، الجميع هنا “مسترزق”، وهذا المحصول فتح باب رزق للكثيرين في وقت زادت  المصاريف والأعباء.

وأشار عثمان حسن زدام، أحد مزارعي الصعيد، إلى أن الفضل في دخول هذه الزراعة يعود إلى التعاون مع خبرات من محافظة الغربية.

وقال: نشكر المهندس "سيد" الذي نقل إلينا هذه التجرب، فكانت هذه المرة الأولى التي نزرع فيها الكتان في الصعيد، وبفضل الله المحصول مبشر جدًا بالخير. كما وجه رسالة إلى كافة مزارعي الصعيد بضرورة التوجه لزراعة الكتان، واصفًا إياه بأنه "محصول ممتاز وعالي الجودة".

661949940_1254128836_1777_023947
الكتان يغزو صحراء المنيا

من جانبه، أوضح المهندس محمد عبد الحميد العويسي، وكيل وزارة الزراعة، أن الكتان من المحاصيل الشتوية التي يتراوح طولها بين 50 و120 سم، ويصل متوسط إنتاج الفدان إلى ما بين 4 و4.5 طن، مؤكدًا أن المحصول يمثل إضافة اقتصادية وصناعية مهمة، نظرًا لدخوله في صناعات الزيوت والألياف، بما يعزز فرص التسويق والتصنيع.

وأشار وكيل وزارة الزراعة إلى استمرار تقديم الدعم الفني والإرشادي للمزارعين، لضمان تحقيق أعلى إنتاجية وجودة، تمهيدًا للتوسع في زراعة هذا المحصول خلال المواسم المقبلة.

من "أرض جرداء" إلى "نموذج نجاح"

أصبح هذا المشروع اليوم نموذجًا يُحتذى به في تنمية واستصلاح الأراضي الصحراوية، حيث استقبل مزارعو المنطقة الوفود الرسمية بحفاوة بالغة وأجواء احتفالية، معبرين عن فخرهم بما تحقق، ومؤكدين أن تذليل العقبات وتوفير البنية التحتية من طرق وكهرباء ومياه كان الدافع الأكبر لمواصلة العمل وزيادة الإنتاج.

661429071_1254128676_1777_024013
الكتان يغزو صحراء المنيا
search