الثلاثاء، 14 أبريل 2026

08:49 م

الدكتور رضا فرحات

قانون الأحوال الشخصية.. معركة الدولة لحماية الأسرة من التفكك

لم يعد إصلاح قانون الأحوال الشخصية ترفا تشريعيا أو ساحة للجدل الأكاديمي، بل بات ضرورة وطنية ملحة تفرض نفسها على أجندة العمل العام، وتضع مجلس النواب أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل، في ظل تسارع التحولات الاجتماعية، وتزايد تأثير الفضاء الرقمي على نسيج العلاقات الأسرية، وتحولت الخلافات الزوجية إلى عواصف علنية تتشابك فيها خيوط الألم النفسي، والتعقيد القانوني، والضجيج الإعلامي، لتفكك أواصر الكيان الأسري بسرعة مقلقة مما يعمق الشرخ ويسرع انهيار الروابط.

إن الإطار التشريعي المنظم للأحوال الشخصية، بجذوره الممتدة لعقود خلت، لم يعد كافيا لملاحقة وتيرة التحولات المجتمعية المتسارعة على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، فكأن القانون القديم ثوب بال لا يتسع لجسد المجتمع المتنامي، يتقصف عند كل حركة حديثة، ويترك فراغات تتسلل منها الشكوك والمظالم، ومن ثم، لم يعد مقبولا الاكتفاء برقعات ترقيعية أو حلول جزئية، بل تبرز الحاجة الماسة إلى نسيج تشريعي متكامل ومتوازن، يغوص إلى جذور الإشكاليات ولا يكتفي بمسح مظاهرها، ويصوغ معادلة دقيقة تحفظ الهوية الدينية والثقافية الأصيلة، بينما تستجيب بمرونة لنبض الواقع المعاصر.

ويكتسب هذا الطرح مشروعيته من النص الدستوري الراسخ الذي يرسخ الأسرة كأساس للمجتمع، ويلزم الدولة بحمايتها وصون تماسكها غير أن هذه الحماية تظل حبرا على ورق ما دامت الإجراءات متاهة معقدة، والنصوص عاجزة عن مواكبة تحديات الحاضر عندما تتحول مسارات التقاضي إلى دهاليز طويلة من الأوراق والمواعيد المتأخرة، وتصبح بعض الأحكام قاصرة عن تحقيق العدالة الناجزة، فتكون النتيجة الطبيعية انفجار النزاعات وتسارع وتيرة التفكك، ونرى آباء وأمهات يجوبون أروقة المحاكم لسنوات، بينما ينتظر الأطفال في صمت قرارا يحدد مصيرهم، والأسرة التي كانت ملجأ تتحول إلى ساحة معركة، والدفء يتبدد أمام برد الإجراءات.

إن الإصلاح الجذري ينطلق من إدراك عميق أن استقرار الأسرة هو مرآة لاستقرار الدولة، وأن الطلاق الاندفاعي، والخلافات الأسرية، يخلق فراغا قانونيا وعاطفيا مزمنا يطيل أمد النزاعات ويترك الأطفال عرضة للتيارات ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نص يلزم بتوثيق الطلاق خلال إطار زمني محدد تحت طائلة المسؤولية القانونية، ليس لتقييد الحقوق، بل لخلق "فترة هدنة" حقيقية تفتح نافذة أخيرة للصلح قبل قطع الحبل نهائيا وفي آن واحد، يجب أن يعلو صوت مصلحة الطفل فوق كل ضجيج، الحضانة والنفقة والرؤية والولاية التعليمية ليست أوراقا للمساومة، بل أمانة مقدسة تجاه مستقبل الجيل القادم، وهذا يستدعي توحيد نظر القضاء في هذه المنازعات أمام محكمة أسرة واحدة، وتسريع عجلة الإجراءات، ومنح القاضي صلاحيات تقديرية أوسع في الحالات الطارئة لدرء خطر الإهمال أو الاستغلال النفسي عن الطفل.

ولا يكتمل هذا البناء إلا بتوازن دقيق بين الحقوق والواجبات؛ المرأة تستحق درعا اقتصاديا فعالا يضمن لها ولأبنائها عيشا كريما، وفي المقابل، للرجل حق ممارسة دوره الأبوي من خلال رؤية واستضافة ينظمهما القانون بعيدا عن التعسف أو التقييد المجحف لذلك تكتسب المقترحات الخاصة في قانون الأحوال الشخصية أهمية بالغة؛ لضمان استمرار الحبل الوطيد بين الوالدين والطفل حتى بعد الانفصال وكل هذا يجب أن ينسج ضمن نسيج يحترم ثوابت الشريعة الإسلامية، و يستلهم مقاصدها السامية في حفظ النسل والعقل والمال، كجسر من الثقة يمتد بين ضفتين كانا يوما شاطئا واحدا.

وفي مواجهة رياح العصر الرقمي العاتية، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وقودا يغذي نار النزاعات الأسرية عبر التحريض والتشهير العلني، مما يفرض على التشريع الجديد أن يشمل عقوبات رادعة للجرائم الإلكترونية داخل الدائرة الأسرية، وإلزام الأطراف بجلسات صلح مهنية وإلزامية قبل دخول دهاليز القضاء، لكسر حلقة التصعيد الإعلامي وإعادة بوصلة العقلانية لإدارة الخلاف، بينما يضيع الأطفال بين شاشات تضخم الصراعات بدلا من أن ترى وجوه آبائهم تبتسم لهم.

في هذا السياق، يبرز تصور متكامل لمشروع قانون جديد يقوم على مجموعة من المحاور المتشابكة، كالخيوط في نسيج واحد: إجرائيا، تجريم التهاون في توثيق الطلاق الشفهي ضمن مدة معقولة، وسد ثغرات النزاع بآليات إثبات واضحة وحاسمة وفي مجال الحضانة والرؤية، تثبيت أولوية الأب بعد الأم، وعدم سقوط حق الحاضنة تلقائيا بمجرد الزواج إلا عند ثبوت ضرر جسيم على الطفل، مع تفعيل نظام استضافة أسبوعي منتظم يعيد نسج الانتماء الأسري وماليا، ربط الحد الأدنى للنفقة بمؤشرات الغلاء المعيشي الحقيقية، ومنح القاضي سلطة المراجعة الدورية، وتحويل نزاعات قائمة المنقولات إلى مسار مدني سريع يجنب الأسرة فخ الابتزاز الجزائي ولا يقل شأنا حصر الدعاوى الأسرية في دوائر متخصصة، وتقليص أمد الفصل فيها، وتفعيل آليات التنفيذ الجبري الفوري ويتوج هذا البناء تفعيل "صندوق رعاية الأسرة"، ليكون شبكة أمان مالية تضمن صرف المتأخرات وتدعم الأسر المتعثرة أثناء النزاعات، ممولا من رسوم التوثيق ومخصصات حكومية موجهة، لضمان استمرارية الحماية للأطفال كأولوية وطنية.

إن إصلاح قانون الأحوال الشخصية ليس عملية ترقيع نصوص، بل هو استثمار استراتيجي في أغلى ثروات مصر: رأس مالها البشري وهو يتطلب حوارا مجتمعيا واسعا وجادا يجمع بين علماء الدين، والخبراء القانونيين، وأهل الاختصاص في الاجتماع والنفس، ليخرج تشريع يحظى بقبول مجتمعي واسع، ويتنفس بروح العصر دون المساس بثوابت الدين ، والبرلمان مدعو اليوم للتحرك بحزم، لأن حماية الأسرة المصرية ليست ورقة سياسية مؤقتة، بل واجب وجودي وفي ظل تعقيدات المنطقة وتحدياتها، تظل الأسرة المتماسكة هي الحصن المنيع للأمن القومي والاستقرار الداخلي.

وفي هذا السياق الوطني الداعي إلى حماية الأسرة المصرية من التفكك، جاءت توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب، وهي تشمل قانون الأسرة المسلمة وقانون الأسرة المسيحية، إلى جانب مشروع إنشاء صندوق دعم الأسرة ، هذه التوجيهات تأتي في الوقت المناسب تمامًا، خاصة وأن هذه المشروعات قد أعدت منذ فترة غير قصيرة، و عالجت المشكلات الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية ومتوازنة، بعد استطلاع آراء علماء الدين والخبراء القانونيين والمتخصصين في المجالات الاجتماعية والنفسية.

إن هذا التوجيه الرئاسي يمثل ترجمة عملية للرؤية الاستراتيجية التي تؤكد أن استقرار الأسرة هو أساس استقرار الدولة، ويضع مجلس النواب أمام مسؤولية تاريخية لإنجاز هذا الملف بسرعة وحزم، ليخرج قانونا يعيد التوازن داخل الأسرة المصرية، ويحمي الأطفال، ويرسخ قيم العدل والكرامة الإنسانية في "مصر الجديدة" فلم يعد مقبولا تأجيل إصدار قانون يواكب تحولات "الجمهورية الجديدة"، دولة تقوم على العدل والتنمية واحترام الكرامة الإنسانية، قانون يعيد ضبط التوازن داخل الأسرة، ويؤسس لاستقرار حقيقي ينعكس على المجتمع بأسره، ويضمن تنشئة أجيال قادرة على حمل مسؤولية المستقبل في إطار من الإنصاف والوعي.

رابط مختصر

تابعونا على

search