الأربعاء، 06 مايو 2026

01:08 ص

الدكتور رضا فرحات

الثقب الأسود.. حين تبتلع المنصات الرقمية عقولنا

في الفضاء الرقمي الواسع، ثمة ظاهرة كونية خطيرة تشبه "الثقوب السوداء" في الفيزياء الفلكية: إنها منصات التواصل الاجتماعي التي تمتلك جاذبية هائلة تبتلع كل ما يقترب منها – الوقت، العقل، الحقيقة، وحتى الهوية، فمثلما يمتص الثقب الأسود الضوء ولا يسمح له بالهروب، تمتص السوشيال ميديا انتباهنا ووعينا النقدي، وتحولنا إلى مجرد أرقام في خوارزميات الربح والتأثير.

تبدأ القصة ببراءة: بضع دقائق من التصفح هنا وهناك، ثم تتحول إلى ساعات تمر دون أن نشعر، هذا ليس صدفة، بل هو تصميم ذكي يعتمد على فهم عميق لعلم النفس البشري، كل إشعار، كل تحديث، كل منشور جديد يطلق دفعة صغيرة من الدوبامين في أدمغتنا، تلك الناقلات العصبية المسؤولة عن الشعور بالمكافأة واللذة، ومع مرور الوقت، تتحول هذه الآلية إلى إدمان حقيقي، حيث نصبح عاجزين عن مقاومة جاذبية الشاشة التي تسحبنا إلى أعماق لا قاع لها.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في سرقة الوقت، بل في سرقة الحقيقة ذاتها، فثقب السوشيال ميديا الأسود لا يكتفي بابتلاع الدقائق والثواني، بل يبتلع التمييز بين الصحيح والخاطئ، بين الخبر والشائعة، بين الواقع والافتعال، و في هذا الفضاء، تنتشر المعلومات بسرعة الضوء، لكن الحقيقة غالبا ما تكون أبطأ وأثقل، فتتخلف عن الركب وتبتلع في ظلام التضليل.

إن الخوارزميات الذكية لا تهتم بالحقيقة، بل تهتم بالتفاعل والمحتوى المثير للجدل، العاطفي، أو المفبرك، يحقق تفاعلا أكبر من الحقائق الجافة والموثقة وهكذا، نجد أنفسنا نعيش في فقاعات معلوماتية معزولة، حيث نرى فقط ما نريد رؤيته، ونصدق فقط ما يتوافق مع معتقداتنا المسبقة، بينما تسحب الحقائق المخالفة إلى داخل الثقب الأسود لتختفي للأبد.

الأخطر من ذلك كله هو كيف يبتلع هذا الثقب الأسود هويتنا الفردية والجماعية، ومع مرور الوقت، نتحول من مستخدمين أحرار إلى مجرد صدى للخوارزميات، نكرر ما نقرأه دون تمحيص، ننشر ما ينشر لنا دون تفكير، و نصدق ما يقال دون تمعن، الوعي النقدي، تلك الملكة الإنسانية التي تميزنا، يتآكل تدريجيا حتى يختفي تماما في أعماق الثقب الرقمي.

وفي السياق السياسي، يصبح هذا الثقب الأسود سلاحا فتاكا في يد الجماعات المتطرفة والجهات المعادية، التي تستخدمه لنشر الشائعات، وبث الفرقة، وزعزعة الثقة بين المواطنين ومؤسسات دولهم، وبدلا من أن تكون السوشيال ميديا فضاء للحوار الحر وتبادل الأفكار، تتحول إلى ساحة حرب نفسية وإعلامية، تفقد فيها الحقائق وتشوه فيها الحقائق.

ويبقي السؤال كيف نهرب من الجاذبية القاتلة؟

إن الهروب من ثقب السوشيال ميديا الأسود ليس مستحيلا، لكنه يتطلب وعيا وإرادة أولا، يجب أن ندرك أن الوقت الذي نقضيه على هذه المنصات هو أغلى ما نملك، وأن كل دقيقة تسرق منا هي جزء من حياتنا لا يعود و ثانيا، يجب أن نستعيد ملكية عقولنا ووعينا النقدي، فلا نصدق كل ما نقرأ، ولا ننشر كل ما يصلنا، بل نتحقق ونبحث عن المصادر الموثوقة.

ثالثا، يجب أن نضع حدودا زمنية صارمة لاستخدامنا لهذه المنصات، وأن نخصص وقتا للقراءة العميقة، والتفكير الهادئ، والحوار المباشر مع من حولنا، وأخيرا، يجب أن ندرك أن الحقيقة ليست سلعة استهلاكية تبلع بسرعة، بل هي عملية بحث مستمرة تتطلب الصبر والجهد والتفكير النقدي.

في الختام يبقي ثقب السوشيال ميديا الأسود حقيقي، وجاذبيته قوية، لكننا لسنا عاجزين أمامه، وبالوعي، والإرادة، والتفكير النقدي، يمكننا أن نستخدم هذه الأدوات دون أن تستخدم ضدنا، وأن نستفيد من إيجابياتها دون أن نغرق في سلبياتها، الحرية الحقيقية ليست في الانصياع للخوارزميات، بل في القدرة على الاختيار الواعي، والتفكير المستقل، والتمسك بالحقيقة حتى في أحلك لحظات التضليل الرقمي.

اقرأ أيضًا:

هاني شاكر.. رحيل المحارب الأنيق

search