الجمعة، 17 أبريل 2026

08:19 م

د. دعاء عبد السلام

حين أدمنتُ اللا راحة

تأملتُ حياتي ذات يوم، فوجدتُ أنني كنتُ أقسو على نفسي أكثر مما يقسو عليّ العالم. لم أكن أتعمد الأذى، لكنني كنتُ أمارسه بصمت؛ حين أهملتُ صحتي، وتجاهلتُ راحتي، واعتبرتُ مزاجي رفاهية يمكن تأجيلها إلى أجلٍ غير معلوم. كنتُ أعيش في دائرة مغلقة من التحمل اللامتناهي، أُقنع نفسي أن الصبر فضيلة مطلقة، دون أن أنتبه أن ما أفعله لم يكن صبرًا بقدر ما كان استنزافًا بطيئًا.

مع الوقت، اكتشفتُ أنني لا أعيش بوعي كامل، بل في حالة وجدانية شبه لا شعورية، أُسميها “عاطف المتعاطف”؛ أُعطي وأتحمل وأحتوي، لكنني لا أعود إلى نفسي أبدًا. أُجيد تلبية احتياجات الآخرين، بينما أتعثر في التعرف على احتياجاتي الخاصة. وكأنني تعلمت أن أكون للجميع، إلا لنفسي.

الأخطر من ذلك، أنني أدمنت “اللا راحة”. أصبحتُ أشعر بالذنب إذا هدأت، وأقلق إذا توقفت، وكأن التعب هو وضعي الطبيعي، والراحة حالة طارئة لا تليق بي. وهنا أدركت أنني لم أكن فقط أتحمل، بل كنتُ أهرب… أهرب من مواجهة سؤال بسيط ومخيف في آنٍ واحد: ماذا أريد أنا؟

في علم النفس، لا يُعد العطاء المفرط دائمًا علامة صحة، بل قد يكون أحيانًا مؤشرًا على خلل في العلاقة مع الذات. حين يُربط تقديرنا لأنفسنا بمدى ما نقدمه للآخرين، نصبح أسرى لدورٍ واحد: “المُعطي الذي لا يتوقف”. ومع الوقت، نفقد القدرة على التوازن، وننسى أن لأنفسنا علينا حقًا أصيلًا لا يقل أهمية عن أي واجب آخر.

الشغف، الذي نظن أنه يولد فجأة، لا يمكن أن ينمو في بيئة مُرهقة. الشغف يحتاج مساحة، وهدوءًا، وإذنًا داخليًا بالحياة. يحتاج أن نُبطئ قليلًا، أن نسمع أنفسنا، أن نمنحها ما تستحقه دون شعور بالذنب. فكيف لشخصٍ أنهك نفسه بالتحمل أن يشعر بوميض الشغف؟

التحول لا يبدأ بخطوات كبيرة، بل بلحظة صدق. أن أعترف أنني بحاجة إلى التوقف، لا لأنني ضعيفة، بل لأنني إنسانة. أن أُعيد ترتيب أولوياتي، فلا أكون دائمًا في آخر القائمة. أن أسأل نفسي كل يوم: ماذا أحتاج الآن؟ لا ماذا يجب أن أفعل.

إن إعادة بناء العلاقة مع الذات لا تعني الأنانية، بل تعني الاتزان. أن أتعلم كيف أقول “كفى” حين يتطلب الأمر، وكيف أختار نفسي دون خوف. أن أُدرك أن الراحة ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن العطاء الحقيقي لا يأتي من نفسٍ مُستنزفة، بل من نفسٍ ممتلئة.

ربما لم أعش الشغف يومًا كما تخيلته، لكنني اليوم أقترب منه، لا بالسعي المحموم، بل بالتصالح. حين بدأتُ أُعطي نفسي حقها، شعرتُ أن الحياة ليست عبئًا يجب تحمله، بل تجربة تستحق أن تُعاش.

وفي النهاية، أدركتُ حقيقة بسيطة وعميقة: لن أستطيع أن أكون بخير للآخرين، إن لم أكن بخير مع نفسي أولًا..

search