الإثنين، 20 أبريل 2026

09:21 م

الدكتور رضا فرحات

بين غموض المفاوضات وإغلاق مضيق هرمز.. هل تمهد التهديدات لسلام هش أم حرب وشيكة؟

تبدأ الحكاية الجيوسياسية دائمًا من حيث تنتهي القدرة على اليقين، وبينما كانت العيون مصوبة نحو إسلام آباد، تداخلت روايتان متناقضتان حتى ليصبح الفاصل بينهما مجرد خط رفيع من الدخان السياسي، فمن واشنطن، يرفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سقف التوقعات والتهديدات معًا، معلنًا أن المفاوضات المقبلة تمثل "الفرصة الأخيرة" لطهران، ومهددًا بـ"تفجير البلد بأكمله" في حال الرفض، كما استحضر شبح أخطاء الماضي، في إشارة صريحة إلى ما يصفه بخطأ الرئيس السابق باراك أوباما. 

ومن طهران، جاءت الردود قاطعة وجافة عبر الوكالة الرسمية للأنباء، التي نفت جملة وتفصيلا انعقاد أي جولة تفاوضية، واصفة التصريحات الأمريكية بـ"الألعاب الإعلامية" الهادفة للضغط، ومؤكدة أنه لا أفق يذكر للحوار في ظل هذه الظروف، وبين النفي والوعيد، تتشكل صورة أزمة لا تبحث عن مخرج بقدر ما تختبر حدود الصبر الجيوسياسي وتعيد تعريف قواعد الاشتباك.

لا تكمن الغرابة في هذا التضارب في كونه جديدًا، بل في مدى اعتماده كأداة استراتيجية متكاملة تدار بعناية فائقة، الرسائل المتقاطعة بين العاصمتين لم تعد مجرد خلاف في وجهات النظر أو سوء تفاهم دبلوماسي، بل أصبحت مسرحية ترمي إلى إيهام الخصم والرأي العام بأن الزمن ينفد، وأن الكارثة تلوح في الأفق إذا لم تتخذ خطوات سريعة، ووصف طهران للمفاوضات الأمريكية بـ"التبادل الاتهامي" يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة الحرب النفسية المصاحبة للدبلوماسية القسرية.

بينما يعكس خطاب ترامب منطق "الضغط الأقصى" الذي يحاول تحويل التهديد العسكري إلى عملة تفاوضية قابلة للصرف، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن أن تبنى صفقات السلام على أساس من الإنكار المتبادل؟ التاريخ الجيوسياسي للمنطقة يخبرنا أن المسار التفاوضي الحقيقي نادرًا ما يعلن عنه قبل لحظة الحسم، وما يبث عبر المكبرات الإعلامية غالبًا ما يكون غطاء لمسار مواز تجري تفاصيله في الخفاء، أو مؤشرًا على أن الأطراف لا تزال تبحث عن مبررات للانسحاب قبل الاصطدام المباشر.

ومع استمرار هذا الغموض، يطل شبح مضيق هرمز من جديد على المشهد، ليس كتهديد لفظي فحسب، بل كحقيقة جيواستراتيجية تتنفس في أعماق الاقتصاد العالمي، وأي تصعيد لفظي بين واشنطن وطهران لا يبقى حبيس قاعات الأخبار، بل يتسرب فورا إلى الممرات المائية الضيقة التي تمر عبرها شرايين الطاقة الدولية.

الحديث عن "تدمير البنية التحتية" أو "تفجير البلد" لا يقتصر تأثيره على الأهداف العسكرية أو المدنية المحددة، بل يمتد ليشكل خطرًا مباشرًا على حركة الملاحة والتأمين البحري، ما يدفع القوى الكبرى والدول المجاورة إلى إعادة حساباتها الأمنية والاقتصادية بشكل فوري، وإغلاق المضيق أو تهديده ليس ورقة تسحب بسهولة، لأن عواقبه لا تقتصر على الطرفين المتصارعين، بل تهز أسواق النفط العالمية، وتعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية، وقد تدفع الأطراف الخاملة إلى دخول المعادلة دون دعوة مسبقة، محولة الأزمة الثنائية إلى اختبار عالمي للقدرة على إدارة المخاطر.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز استحضار ترامب لـ"خطأ أوباما" كرسالة مزدوجة موجهة للأعداء قبل الحلفاء، وللداخل الأمريكي قبل الخارج الإيراني، فهو يريد ترسيخ سردية أن القسوة والضمانات الصلبة هما الضامن الوحيد لعدم تكرار ما يراه انكسارًا دبلوماسيًا في الماضي.

لكن هذه السردية تصطدم بواقع أن طهران ليست طرفًا يمكن استدراجه بسهولة تحت وطأة التهديد العلني، خاصة عندما تدار اللعبة الإعلامية على نحو يجعل التراجع يبدو كاستسلام، وديناميكية التصعيد الحالية تشبه إلى حد كبير لعبة المخاطرة المحسوبة، حيث يدفع كل طرف الآخر نحو الحافة، على أمل أن يرتد الآخر أولا، لكن الفارق هذه المرة أن الحافة لم تعد مجرد خط سياسي أو حدود عقوبات، بل قد تكون نقطة اشتعال بحري أو جوي لا يمكن احتواؤه بمجرد بيان صحفي أو نفي رسمي، مما يجعل هامش الخطأ ضيقا إلى درجة الخطر.

هل يقترب السلام إذن؟ أم أننا نقف على أعتاب جولة جديدة من التصعيد قد تغير قواعد اللعبة الإقليمية إلى الأبد؟ الإجابة لا تكمن في التصريحات العلنية التي تتصاعد وتيرة حدتها يوميًا، بل في ما يحدث خلف الكواليس، وفي قدرة القنوات غير الرسمية على تحويل لغة التهديد إلى لغة تفاهم، الدبلوماسية الحقيقية نادرا ما تبنى على الوعود العلنية بـ"التفجير"، بل على حسابات المصالح المتبادلة وإدراك التكلفة الباهظة للمواجهة المفتوحة.

وبينما تستعد إسلام آباد لاستضافة مفاوضات قد لا تعقد أصلا، وتواصل طهران نفي وجود أي أفق للحوار، يبقى العالم يراقب كيف ستتعامل الأسواق، وكيف ستتحرك السفن، وكيف ستقرأ العواصم الدولية نوايا الطرفين، الغموض الحالي ليس فراغا، بل فضاء مشحونا بالاحتمالات، حيث قد يتحول أي تصريح عابر إلى شرارة، أو قد يتحول أي صمت مفاجئ إلى جسر نحو التهدئة، وفي النهاية، لا تصنع الحرب والسلام الكلمات وحدها، بل تصنعها الخيارات الصامتة التي تتخذ عندما تتوقف الضوضاء الإعلامية، وتبقى الأيام القليلة المقبلة هي الكاشف الحقيقي عما إذا كانت هذه الجولة مجرد تمهيد لصفقة، أو مقدمة لعاصفة.

اقرأ أيضًا:

"عدم جدية وأعمال عدوانية".. إيران: لا توجد خطة لجولة مفاوضات جديدة مع أمريكا

search