الجمعة، 24 أبريل 2026

06:36 م

بعد أسبوعين من المأساة.. كيف يعيش عم نبيل وحيدًا بعد رحيل ابنته في حريق الزاوية الحمراء؟

ضحية حريق الزاوية الحمراء ووالدها

ضحية حريق الزاوية الحمراء ووالدها

في غرفة بسيطة، داخل العقار رقم 46 بشارع الحرية في منطقة أرض الجنينة في الزاوية الحمراء، بالكاد تتسع لأحزان رجل فقد كل شيء، يجلس "عم نبيل" متكئًا على جدران الذكريات، يحدق في الفراغ، وكأنه ينتظر عودة ابنته “هنا” من عملها، تحمل بيدها طعامًا ودواءً، وتبتسم كعادتها رغم الإرهاق لكن هذه المرة، لن تعود.

مأساة داخل مصنع غير مرخص

قبل أسبوعين فقط، كانت الحياة تسير على وتيرتها القاسية داخل هذا المنزل القديم، حيث كانت “هنا”، الابنة الوحيدة التي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، العمود الذي تستند إليه أسرة أنهكها المرض والفقر.

اليوم، أصبح الأب وحيدًا في مواجهة صمتٍ ثقيل، بعد أن اختطفت النيران ابنته في حريق مأساوي داخل مصنع غير مرخص، لتلقى مصرعها رفقة 6 فتيات أخريات في منطقة الزاوية الحمراء بالقاهرة.

d8cdb1c5-6a54-4da3-b173-48605735c12b
d8cdb1c5-6a54-4da3-b173-48605735c12b

رحلة حياة شاقة

بصوت متهدج، بدأ عم نبيل يستعيد تفاصيل حياته، لـ"تليجراف مصر"، وكأنه يفرغ ما تبقى في صدره من وجع قائلًا: "أنا كنت شغال في مصنع أدوية، وبعد كده المصنع ده قعدت فيه 13 سنة وفي الآخر المصنع ده مشتغلش تاني ومشينا، وبعد كدة قعدت أشتغل في مطعم فول وطعمية، وشوية أشتغل مثلاً بتاع ستاير، بتاع ورق جدران، لغاية ما تعبت مرة واحدة خالص، وعملت تلات دعامات في معهد القلب، والدكتور قالي أنت ملكش شغل خالص".

وتابع: "هنا دي بنتي الوحيدة، عندها 19 سنة، في أولى معهد في شبرا الخيمة، هي الوحيدة ومعيش لا بنات ولا ولاد، وأمها تعبانة، بتغسل كلى وبتساعدنا في البيت بتشتغل عند الناس يتمسح سلالم ممكن يطلع لها 70 أو 80 جنيه في اليوم".

هنا حملت عبء الأسرة مبكرًا

وأكمل: "هنا شغالة من 9 شهور بالظبط مع أصحابها، بتشتغل كل يوم من الساعة 8 الصبح لغاية الساعة 10 بالليل، واليومية 100 جنيه، لسه المشرفة قايلة للراجل حرام عليك الغلابة دول بيفطروا ويتغدوا بيهم، فزودها 20 جنيه، يعني بقت 120 جنيه، وكانت بتجيب أكل وشرب وهي جاية، وتجيب حاجة حلوة، وتجهز نفسها، وتجيب لبس، جالها عرسان كتير منهم ظابط، بس هي كانت خايفة عليا وعلى الدنيا دي كلها، وأنا لسه مجبتلهاش حتى معلقة واحدة".

a26b9e1c-fc17-4406-9e79-bf7ad7b55681
 


وأوضح: "يوم الحريق واحدة معرفهاش خبطت عليا الساعة 3 ونص بعد العصر، وقالتلي قوم بنتك ماتت، روحت مستشفى المطرية قالوا بنتك راحت مستشفى الزيتون، روحت الزيتون قالوا روح النيابة، وبعد كدة روحت قسم الزاوية والمشرحة، وطلعنا ورق جديد عشان الورق بتاعها اتحرق، واستلمت جثتها يومها بالليل وصلينا عليها العصر تاني يوم واندفنت، دفنت بنتي بإيدي وأنا مكنتش عايز حاجة من الدنيا غيرها".

مصنع بلا أمان

وأضاف: “المصنع ده مكنش مرخص ومفهوش إطفاء حريق، والحمام بيقولوا لي قد الكرسي مفيش حتى خرطوم ميه، بيقولوا مكنة فرقعت وولعت الدنيا، وهما البنات مكنوش عايزين يسيبوا بعض، وماتوا جنب الشباك وبقوا فحم”.

وفي نهاية حديثه، يعود الأب إلى تفاصيل صغيرة تكشف حجم التضحية التي كانت تعيشها ابنته يوميًا قائلاً: "بنتي كانت تعبانة وعندها أنيميا وبتاخد محاليل، ورغم كده كانت بتشتغل عشان خاطر 3000 جنيه في الشهر لأني انا مش قادر اشتغل، وأمها تعبانة بشتغل على كده في البيوت عند الناس، ومعندناش مصدر دخل أكتر من كده والشقة إيجار قديم وصاحبتها قالتلي مش همشيك لحد ما تموت لطفًا بحالتنا، ومالناش دخل تاني بعد وفاة بنتي غير الجامع ممكن يجمعلنا 300 أو 400 جنيه في الشهر".

استغاثة ونداء أخير

واختتم: "أنا مش عايز حاجة غير حق بنتي ومعاش من التضامن يكفينا في الشهر، أنا بخاطب رئيس الجمهورية، يا سيادة الرئيس أنا عايز حق بنتي، أنت أبونا وأخونا، لازم تقفل المصانع اللي ملهاش رخصة دي، مفيش إطفاء ولا إنقاذ ولا أي حاجة، ارحمنا من المصانع دي".

اقرأ أيضا:

“قالتلي حلمت بكفني".. جدة عروس ضحية حريق الزاوية الحمراء تروي تفاصيل مؤلمة

search