الإثنين، 04 مايو 2026

11:20 م

المستشار محمد نجيب

اجعلوا من هذا المجرم عبرة!

الواقعة المؤلمة التي حدثت في مدرسة "الأرض البائسة"، ليست مجرد جريمة تُضاف إلى سجل الحوادث المشينة، بل كانت اختباراً قاسياً لضمير مجتمع بأكمله.

جريمة وقعت في مكان يفترض أنه ملاذٌ آمن، ارتكبها شخص يفترض أنه الراعي والأب والحامي، ثم تحولت بفعل عشرات من المختلين المضطربين إلى مشهد يُعاد بثّه بلا رحمة على شبكات التواصل الاجتماعي!

طفلة لم تكن تعرف كيف تُدافع عن نفسها، ولا كيف تُسمّي ما حدث لها، وجدت نفسها في مواجهة فعلٍ يجرّدها من أبسط حقوقها وهو الأمان، بل أن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، لكنها تحولت إلى مادة للتداول، وكأننا قررنا أن نشارك في الجريمة، لا أن نُدينها.

المدرسة ليست مجرد جدران، بل عقد ثقة غير مكتوب بين الأسرة والمؤسسة، وفي دولٍ عديدة، تصنف المدارس باعتبارها «مناطق بالغة الخطورة»، تُخضع فيها كل حركة للرقابة، وكل شخص للتدقيق، وكل شكوى للتحقيق الفوري.

في بريطانيا على سبيل المثال، يخضع العاملون في المدارس لفحص صارم يُعرف بـ “DBS Check” وأي شبهة حتى لو كانت دون إدانة قد تُقصي الموظف فوراً من التعامل مع الأطفال، فهذه السلوكيات لا يمكن التسامح معها، ويؤخذ مرتكبها بمجرد الريبة.

وفي أمريكا تلتزم المدارس قانوناً بالإبلاغ الفوري عن أي اشتباه، وإلا تتحمل المؤسسة نفسها مسؤولية جنائية مثل المتهم تماماً..
أما حين تمر واقعة مثل التي نتناولها، ويظل الصمت سيد الموقف لمدة سنة حسبما يؤكد الشهود، فالمشكلة ليست فردية لكنها في صميم تلك المؤسسات..

أخطر ما تكشفه هذه الواقعة أن الضحايا لم يكونوا قادرين على الشكوى، فالطفل لا يملك اللغة، ولا الشجاعة، ولا حتى الإدراك الكامل لما يتعرض له، وفي هذه الحالة لا يكون الصمت دليلاً على عدم وقوع الجريمة بل برهان على حدوثها بالفعل.

الوجه الأكثر قسوة يتمثل فينا نحن، فالجريمة ليست وحدها ما يُفزع، بل رد الفعل، إذ تداول المئات وربما آلاف الفيديو، بلا أدنى اعتبار لكرامة الطفلة.
لا أحد سأل: ماذا سيحدث لها عندما تكبر وترى هذا المقطع، ولا أحد فكّر: هل أنا أُساهم في كشف الحقيقة أم في إعادة إيذاء الضحية؟

في قوانين كثيرة حول العالم، يُعد نشر مواد تنتهك خصوصية الأطفال جريمة قائمة بذاتها، وفي دول مثل الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، قد تصل العقوبة إلى السجن لسنوات، لمجرد إعادة نشر محتوى يمسّ طفلاً، حتى لو لم يكن الناشر هو من صوّره.

ما حدث في هذه المدرسة البائسة التي لا تحمل نصيباً من اسمها يمكن قراءته على ثلاثة مستويات، الأول جريمة أصلية تمثلت في فعل مديرها الوضيع تجاه طفلة بريئة، والمستوى الثاني يتمثل في التقصير بالرقابة والتأخر في الكشف لأن الواقعة التي يتناولها الفيديو وقعت منذ حوالي عام كما تفيد التحقيقات، والمستوى الثالثة يتمثل في تداول المحتوى دون اعتبار إنساني.

الحديث عن العقوبة التي يجب أن توقع على هذا المجرم ليس انتقاماً، بل ضرورة لحماية ما تبقى من الثقة، وأرى أن في مثل هذه الجرائم، لا يكفي الحبس التقليدي، بل يجب أن يكون عبرة لغيره وينال أقصى درجات العقاب، بالنظر إلى صفة المجني عليها، والحرمان الدائم من العمل في أي مجال يتصل بالأطفال، والإدراج في سجل خاص بمرتكبي الجرائم ضد الأطفال، وإلزام الجاني بالتعويض المدني والنفسي للضحية وأسرتها

قضيتنا ليست أن نغضب يوماً بسبب ما حدث لطفلة هذه المدرسة ثم ننسى، أو نطالب بعقوبة ثم نُكرر الخطأ نفسه، بل أن نُعيد تعريف دورنا، كمجتمع يحمي، لا يفضح، كأهل يسألون، لا يفترضون، كمؤسسات تراقب، لا تنتظر..
وفي النهاية، هذه الطفلة لم تختر أن تكون ضحية، لكن الأسرة والمجتمع أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن نكون مصدر الحماية أو جزءاً من الألم.

search