الإثنين، 11 مايو 2026

08:21 م

تجميل القاتل.. وتشويه الضحية!

لم تعد جرائم القتل في كثير من الحالات تقتصر على لحظة ارتكابها، بل تمتد إلى ردود الأفعال ومحاولة تجميل القاتل، وتشويه الضحية، وتقديم مبررات أخلاقية واجتماعية لسفك الدماء!

الجدل الذي يتكرر حول بعض القضايا المثيرة للرأي العام بات مرعباً، بل مقززاً ومثيراً للحزن والغضب، فما نراه ونقرأه في بعض ردود الأفعال لا يمكن أن يكون طبيعياً ويدفعنا إلى التفكير ملياً كيف يعيش بيننا من يبرر القتل ويشرعنه بهذه الطريقة؟!

امرأة تُقتل، ثم تتحول هي نفسها إلى متهمة على منصات التواصل الاجتماعي، بينما ينشغل البعض بالبحث في حياتها الخاصة، وسلوكها، وعلاقاتها، وكأنهم يفتشون عن مبرر يخفف بشاعة الجريمة، أو يمنح القاتل نصف براءة معنوية!

في القضية الأخيرة الخاصة بالقاضي المتهم بقتل زوجته السابقة، لم يتوقف الأمر عند حدود الجريمة، بل امتد إلى استخدام اتهامات مشينة بحق الضحية أمام جهات التحقيق والمحكمة، ثم تلقفها قطاع من الجمهور بشغف مريب، لا بهدف فهم الحقيقة، بل لتبرير القتل معنوياً، وكأن سلوك الضحية المفترض  -حتى لو ثبت- يمنح المتهم حق إنهاء حياتها!

إنها ليست أزمة قانون يا سادة، بل أزمة وعي وأخلاق وثقافة مجتمعية، فالقانون لا يمنح أي إنسان حق التحول إلى قاض وجلاد في الوقت نفسه.

كما أن الخلافات الزوجية، والخيانة، والانفصال، والفضائح، وحتى أسوأ الأخطاء الشخصية، لا تبرر القتل، ولا تنتقص من حق الضحية في العدالة والتعاطف الإنساني!

الأخطر في هذه الظاهرة التي أطلت علينا بوجهها القبيح في هذه الجريمة وقبلها في جريمة قتل الطالبة نيرة أشرف في طريق عام وغير هاتين الضحيتين، تعكس بكل مرار كيف أن البعض لا يتعامل مع المرأة كضحية إنسانية، بل كمتهمة مطالبة بإثبات استحقاقها للحياة!

فور وقوع الجريمة، تبدأ محاكم التفتيش الاجتماعية، ماذا كانت تفعل، وكيف كانت تتصرف، ولماذا انفصلت، وكأن المجتمع يضع النساء أمام معادلة قاسية، كوني مثالية، وإلا نحرمك من التعاطف!

هذا النمط من التفكير لا يدمر الضحايا فقط، بل يخلق بيئة نفسية تمنح المجرم شعوراً ضمنياً بأنه قد يجد من يبرره أو يتفهم دوافعه، خصوصاً حين يكون صاحب مكانة اجتماعية أو مهنية مرموقة. 

وهنا تصبح الخطورة مضاعفة؛ لأن النفوذ المعنوي يتحول إلى وسيلة لإعادة صياغة الجريمة في أذهان البعض باعتبارها "رد فعل" لا جريمة مكتملة الأركان.

لقد قرأنا أقوال المتهم، وشاهدنا جانباً من المحاكمة، وهو يبرر جريمته بكل تبجح، دون أن تبدو عليه أي ذرة ندم، وهذا أمر يخصه، فبصفتي رجل قانون لا يمكن أن أنكر عليه حقه في الدفاع عن نفسه، لكن تظل الإشكالية في كيفية تعاطي فئة كبيرة مع أقواله، واعتباره الضحية وليس المتهم!

لقد شاهدت فيديو لإحدى صديقات الضحية، وكانت تتحدث بشكل منطقي، ورغم ذلك لن أتوقف كثيراً عند ما قالته، لكنه حين نزلت ببصري إلى التعليقات، أصبت بصدمة بالغة، فمن الصعب أن نتقبل ببساطة تبرير القتل!

لقد أخرجت السوشيال ميديا أسوأ ما فينا، وكشفت حالة من التردي الأخلاقي والنفسي لم نكن نتخيلها يوماً، فالإنسان السوي يجب أن يفكر ألف مرة قبل أن يخوض في عرض الأحياء، فما بالنا حين نطعن بكل بتبجح في شرف الموتى!

المجتمعات السوية لا تُقاس فقط بقوة قوانينها، بل بقدرتها الأخلاقية على الانحياز الواضح للضحية، ورفض تحويل الدم إلى مادة للشماتة أو التبرير أو تصفية الحسابات الأخلاقية، فالقتل جريمة.. لا وجهة نظر..
 

search