الخميس، 14 مايو 2026

03:49 م

الزواج العرفي بين المشروعية الدينية وضرورات حماية المجتمع

أصبح الحديث عن الزواج العرفي في السنوات الأخيرة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المجتمع، ليس فقط من الناحية القانونية، ولكن أيضًا من الناحية الدينية والاجتماعية والإنسانية. فبين من يراه زواجًا مستوفيًا للأركان الشرعية طالما توافرت فيه الإيجاب والقبول والشهود، وبين من يعتبره بابًا واسعًا للفوضى الاجتماعية وضياع الحقوق والتحايل على القانون، تبقى الحقيقة الأهم أن الواقع العملي كشف عن أزمات خطيرة ترتبت على انتشار هذا النوع من الزواج دون ضوابط حقيقية أو رقابة قانونية واضحة.

ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:
إذا كان الزواج العرفي ـ حتى مع وجود أصل فقهي يجيزه في بعض الصور ـ قد أصبح وسيلة تؤدي إلى الإضرار بالمجتمع وضياع الحقوق واستغلال النساء والأطفال، فهل يصبح من الواجب تنظيمه أو حتى إلغاء الاعتراف به حمايةً للمصلحة العامة؟ وهل يجوز شرعًا لولي الأمر أن يقيد بعض المباحات إذا ترتب عليها فساد واسع أو ضرر مجتمعي؟

أولًا: الأصل الشرعي للزواج قائم على الإعلان وحفظ الحقوق

الشريعة الإسلامية لم تجعل الزواج مجرد علاقة خاصة بين رجل وامرأة، بل جعلته مؤسسة اجتماعية قائمة على الوضوح والإعلان والاستقرار وحفظ الأنساب والحقوق. ولذلك جاءت النصوص الشرعية مؤكدة على مبدأ الإشهار والإعلان، فقال النبي ﷺ:

“أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف.”

ورغم اختلاف الفقهاء في درجة صحة الحديث، إلا أن معناه استقر عليه العمل الفقهي عبر العصور، وهو أن الزواج في الإسلام ليس علاقة سرية أو خفية، بل رابطة معلنة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة وتمنع الشبهات.

ولهذا نجد أن كثيرًا من صور الزواج العرفي المنتشرة حاليًا تخالف مقاصد الشريعة حتى وإن حاول البعض إضفاء الشرعية الشكلية عليها، لأنها تقوم في كثير من الأحيان على السرية أو إخفاء العلاقة أو التهرب من الالتزامات القانونية والاجتماعية.

ثانيًا: الشريعة لا تنظر فقط إلى الشكل بل إلى النتائج والمقاصد

من القواعد الكبرى في الفقه الإسلامي أن “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، وأن “لا ضرر ولا ضرار”.
وهذه القواعد ليست مجرد شعارات، بل هي أصول تشريعية تحكم تعامل الدولة والمجتمع مع القضايا التي تمس استقرار الناس وأمنهم الاجتماعي.

فعندما يتحول أمر مباح في أصله إلى وسيلة تؤدي إلى ضرر واسع، يصبح من حق ولي الأمر تقييده أو تنظيمه حمايةً للمجتمع. وقد مارس الفقه الإسلامي هذا المبدأ في مسائل كثيرة عبر التاريخ.

فالخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه علّق بعض التصرفات المباحة عندما رأى أنها تؤدي إلى فساد أو استغلال أو اضطراب في المجتمع، انطلاقًا من قاعدة “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”.

ومن هنا، فإن النقاش حول الزواج العرفي لا ينبغي أن يقف فقط عند السؤال التقليدي: “هل هو جائز أم لا؟”، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا:
هل تحققت من خلاله مقاصد الزواج في الإسلام؟
وهل أدى إلى حفظ الحقوق أم إلى ضياعها؟
وهل أصبح وسيلة للستر والاستقرار أم بابًا للفوضى والتحايل؟

ثالثًا: كيف تحول الزواج العرفي إلى أداة للتحايل والإضرار؟

الواقع العملي كشف عن استخدامات خطيرة للزواج العرفي، من أبرزها:

1- الزواج دون علم الزوجة الأولى

أصبح الزواج العرفي في بعض الحالات وسيلة للهروب من أي التزام أخلاقي أو اجتماعي تجاه الزوجة الأولى، حيث يتم الزواج سرًا دون علمها، بما يهدم الثقة داخل الأسرة ويخلق نزاعات اجتماعية ونفسية حادة.

ورغم أن التعدد في ذاته مباح شرعًا بشروط العدل والقدرة، إلا أن التحايل والإخفاء والتلاعب يناقض مقاصد العدالة والشفافية التي أكد عليها الإسلام.

2- التحايل في مسائل الحضانة

تلجأ بعض المطلقات أحيانًا إلى الزواج العرفي خشية سقوط الحضانة أو فقدان بعض الحقوق، فينشأ وضع قانوني واجتماعي مرتبك تكون ضحيته الأساسية هي الأطفال.

فالطفل قد يعيش في بيئة غير مستقرة قانونيًا أو نفسيًا بسبب علاقة غير موثقة، مما يفتح أبواب النزاع والتشكيك والمشكلات الأسرية الممتدة.

3- التلاعب بالمعاشات والتأمينات

في حالات كثيرة أصبح الزواج العرفي وسيلة للتحايل على قوانين المعاشات أو التأمينات الاجتماعية، بحيث تستمر بعض الحالات في الحصول على مزايا مالية رغم تغير وضعها الاجتماعي الحقيقي.

وهنا يتحول الزواج العرفي من علاقة شخصية إلى أداة للإضرار بالمال العام والإخلال بمبدأ العدالة الاجتماعية.

4- انتشار زواج القاصرات

تعد هذه من أخطر النتائج المرتبطة بالزواج العرفي، إذ يُستخدم أحيانًا كغطاء لتزويج الفتيات القاصرات بعيدًا عن الرقابة القانونية والطبية والاجتماعية.

وهذا الأمر يتعارض بوضوح مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة والحقوق، لأن الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد شكلي، بل مسؤولية وقدرة ونضج وحماية للطرف الأضعف.

رابعًا: توثيق الزواج ليس مخالفة للدين بل حماية لمقاصده

يردد البعض أن اشتراط التوثيق الرسمي أو عدم الاعتراف بالزواج غير الموثق يمثل مخالفة للشريعة، بينما الحقيقة أن التوثيق في ذاته ليس عبادة حتى يُرفض باعتباره “بدعة”، بل هو وسيلة حديثة لحفظ الحقوق ومنع النزاعات.

وقد أمر القرآن الكريم أصلًا بتوثيق الديون، فقال تعالى:

“يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه.”

فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أمر بكتابة الدين حفاظًا على الحقوق المالية، فكيف لا يكون توثيق الزواج ـ وهو أخطر وأعظم أثرًا ـ أولى بالحفظ والتوثيق؟

إن توثيق الزواج لا يُبطل الشرع، بل يحقق مقاصده الأساسية في حماية المرأة والطفل والنسب والحقوق.

خامسًا: هل يحق للدولة منع الزواج العرفي؟

فقهيًا، يملك ولي الأمر سلطة تنظيم المباح إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، خاصة عندما تتحول بعض الممارسات إلى وسائل للإضرار بالمجتمع أو التحايل على القانون أو انتهاك الحقوق.

ولذلك فإن الدعوة إلى عدم الاعتراف بالزواج العرفي أو تقييده قانونيًا لا تعني بالضرورة محاربة الدين أو تحريم ما أحله الله، بل قد تكون محاولة لحماية جوهر مقاصد الشريعة ذاتها.

فالشريعة جاءت لتحقيق:

* حفظ الدين
* حفظ النفس
* حفظ العقل
* حفظ النسب
* حفظ المال

وأي ممارسة تهدد هذه المقاصد بصورة واسعة تستوجب التدخل والتنظيم.

ختامًا

إن قضية الزواج العرفي لا ينبغي أن تُناقش بعاطفة أو بشعارات سطحية، بل تحتاج إلى مواجهة واقعية وشجاعة مجتمعية وفقهية.
فالهدف ليس التضييق على الناس أو مصادمة النصوص الدينية، وإنما حماية الأسرة المصرية من الفوضى، وصيانة حقوق النساء والأطفال، ومنع التحايل والاستغلال وضياع الكرامة الإنسانية.

وإذا كان الإسلام قد شرع الزواج لبناء أسرة مستقرة واضحة معلنة تحفظ الحقوق وتصون المجتمع، فإن أي صورة تُفرغ الزواج من هذه المقاصد وتحوّله إلى وسيلة للخفاء أو التلاعب أو الإضرار، تستحق أن يُعاد النظر فيها بجدية ومسؤولية.

فليس كل ما كان جائزًا في صورته النظرية يبقى مقبولًا إذا تغيرت نتائجه وأصبح بابًا للضرر العام، لأن الشريعة في جوهرها قائمة على العدل والرحمة وتحقيق المصلحة ودفع الفساد.

search