الأحد، 17 مايو 2026

04:30 م

بأيدٍ مُكرهة.. فلسطينيون يهدمون منازلهم بأنفسهم لإقامة متنزه إسرائيلي

الفلسطينيون يجبرون على هدم منازلهم

الفلسطينيون يجبرون على هدم منازلهم

تتصاعد في حي البستان، الواقع في وادٍ شديد الانحدار ومكتظ بالسكان أسفل أسوار البلدة القديمة في القدس مباشرة، عمليات هدم المنازل الفلسطينية بوتيرة متسارعة، مع تقدم مشروع إسرائيلي لإقامة متنزه ديني أثري يحمل اسم "حديقة الملوك".

أصوات الهدم تتغير لكن النتيجة واحدة

شهدت المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة ضجيج المطارق الهوائية والجرافات، وهي أصوات ارتبطت لعقود بمشاريع إسرائيلية تهدف إلى فرض طابع يهودي على القدس الشرقية المحتلة، مع تقليص الحضور الفلسطيني فيها، وفقًا لصحيفة "الجارديان".

غير أن المشهد في حي البستان بدا أكثر قسوة، إذ لم تكن الجرافات هذه المرة بقيادة عمال البلدية أو الدولة، بل كان الفلسطينيون أنفسهم يهدمون منازلهم بأيديهم، تجنبًا لتكاليف الهدم الباهظة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية.

جلال الطويل يهدم إرث عائلته

ووقف المواطن الفلسطيني جلال الطويل يشاهد الجرافة التي استأجرها وهي تهدم منزل عائلته، المبني فوق أرض توارثتها أسرته عبر الأجيال، واصفًا التجربة بأنها "مريرة"، بينما كانت الجدران تتهاوى حتى الأساسات، في حين ترك شجرة عنب عمرها 35 عامًا للنهاية، بعدما كانت توفر العنب لكامل الحي.

وأوضح أن قرار الهدم الذاتي كان اقتصاديًا بالدرجة الأولى، بعد أن أبلغته بلدية القدس أن تكلفة هدم المنزل بواسطة طواقمها ستصل إلى 280 ألف شيكل، بينما كلفه الهدم الذاتي أقل من عُشر هذا المبلغ، لافتًا إلى أن البديل كان أشبه بالاختيار "بين الانتحار أو القتل".

عشرات المنازل أزيلت.. والمزيد قادم

خلال العامين الماضيين، تم هدم أكثر من 57 منزلًا في حي البستان، مع خطط لهدم ثمانية منازل إضافية خلال الأسابيع المقبلة.

1000271381
تشير النقاط الحمراء إلى المنازل التي تم هدمها بالفعل، بينما تشير النقاط الخضراء إلى المنازل التي صدرت بحقها أوامر هدم.

ويُقام على أنقاض هذه المنازل مشروع “حديقة الملوك”؛ حيث يرى باحثون ومنظمات حقوقية، من بينها منظمة "عير عميم"، أن ما يحدث في البستان يجسد عملية محو للفلسطينيين من الجغرافيا والتاريخ.

ويقول الباحث أفيف تاتارسكي إن إسرائيل تتجاهل الطبيعة متعددة القوميات والثقافات للقدس، وتسعى إلى إزالة كل ما هو غير يهودي من المشهد العام.

تغيرات بعد 7 أكتوبر بسبب الدعم الأمريكي

رغم أن مشروع "حديقة الملوك" واجه عراقيل لسنوات نتيجة المقاومة الفلسطينية والمعارضة الدولية وبعض التحفظات السياسية داخل إسرائيل، فإن تلك الحواجز تراجعت بعد هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، والحرب على غزة، وعودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية.

وبحسب السكان، فإن الدعم الأمريكي أضعف فعالية الاعتراضات الدولية، رغم استمرار الزيارات الدبلوماسية والتصريحات المؤيدة للفلسطينيين.

معاناة إنسانية متواصلة

محمد قويدر، وهو أب لستة أبناء، اضطر لهدم جزء من منزله على أمل تجنب التدمير الكامل، إلا أنه تلقى إنذارًا جديدًا من البلدية.

ويعاني قويدر من مشاكل صحية مزمنة، كما يعتني بابن من ذوي الاحتياجات الخاصة ووالدة مسنة غير قادرة على الحركة، مؤكدًا أن عائلته لن تغادر حتى لو اضطرت للعيش في خيمة.

ذاكرة النكبة الممتدة

والدة محمد، يسرى قويدر، تجسد بتاريخها الشخصي فصولًا متعاقبة من النزوح الفلسطيني؛ فقد وُلدت في يافا قبل 97 عامًا، ثم هجّرت عائلتها عام 1948 خلال النكبة، قبل أن تُهجّر مرة أخرى من قرية يالو عام 1967، ثم من الحي اليهودي في البلدة القديمة لاحقًا.

واستقرت الأسرة في سلوان، حيث تؤكد يسرى أن هذه المرة ستكون الأخيرة.

 العيش فوق الأنقاض

فخري أبو دياب، أحد أبرز قادة المجتمع المحلي في البستان، يعيش اليوم مع زوجته في كوخ متنقل وسط أنقاض منزل عائلته الذي سكنته أربعة أجيال، ووصف ما جرى بأنه تدمير للماضي والذكريات والمستقبل.

ورغم هدم منزله، لا يزال ملزمًا بسداد غرامات بلدية بلغت 43 ألف شيكل، إضافة إلى تكاليف أخرى فرضت عليه أثناء عملية الهدم.

موقف بلدية القدس

من جهتها، تؤكد بلدية القدس أن المشروع يخدم جميع سكان المدينة، وتقول إن المنطقة لم تكن مخصصة للسكن مطلقًا، بل تعاني نقصًا في المساحات العامة المفتوحة، كما ذكرت أنها حاولت على مدار سنوات التوصل إلى حلول بديلة للسكان، لكن دون نجاح.

في المقابل، يشير السكان إلى أن السلطات الإسرائيلية ترفض بصورة ممنهجة منح الفلسطينيين تراخيص البناء، بينما تمنحها بانتظام للمستوطنين اليهود، فضلا عن تجاهلها للبؤر الاستيطانية غير المرخصة.

الخطر النفسي على الأطفال

أمينة أبو دياب، المعلمة والأخصائية الاجتماعية، حذرت من التأثير النفسي المدمر على الأطفال وأكدت أن المنزل يمثل بالنسبة للطفل رمزًا للأمان والمستقبل، وأن هدمه يهدد شعوره بالاستقرار والانتماء.

اقرأ أيضًا:

نجل الرئيس الفلسطيني يفوز بعضوية أعلى هيئة قيادية في “فتح”

تابعونا على

search