بكارة التقاليد غشاء.. والدين منه براء!
أثارت مؤخرًا تصريحات تلفزيونية للمستشار عبدالرحمن محمد رئيس لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية حالة من الجدل التي بلغت حد الفزع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد حديثه عن إقرار المحكمة الدستورية ومحكمة النقض بأن وجود غشاء البكارة ليس من شروط صحة عقد الزواج، وكذلك عدم وجوده ليس سببًا للفسخ، استنادًا إلى المذاهب الفقهية الإسلامية.
وجاء رد الفعل الإعلامي مستنكرًا لأمر يعارض "الثقافة الشعبية للمجتمع"، ليبرز الفجوة الشاسعة بين أحكام الدين الإسلامي ومعطيات العلم الحديث من جهة، والموروث الثقافي للمجتمع الشرقي من جهة أخرى.
بدايةً.. في معاجم اللغة العربية، لفظ "بكر" يرتبط بالأولية والسبق في كل شيء، ولا يقتصر معناه على الجانب الجسدي أو الجنسي فقط كما هو شائع في العرف الحاضر، كما يشير اللفظ ذاته إلى المؤنث والمذكر على حد السواء، بمعنى أن كلمة "بكر" تشير إلى "الفتاة والفتي اللذان لم يسبق لهما الزواج"، بغض النظر عن امتلاك ما يمسى عُرفًا بـ "غشاء البكارة".
نشأت الأزمة الجدلية بسبب الربط القديم بين وجود الغشاء والعذرية الفعلية، وهي أزمة تاريخية بدأت في المجتمعات العربية، وكذلك في العديد من المجتمعات التقليدية حول العالم، منذ قرون طويلة، وتحديدًا مع بداية ترسخ الأنظمة الأبوية "الذكورية"، بعيدًا عن جوهر الأديان، في أزمنة سادها الجهل. وكان الطب لا يزال يحبو خطواته الأولى عاجزًا عن تفسير أبسط الظواهر البيولوجية في جسد الإنسان.
في القرن التاسع عشر ازداد الأمر سوءًا، إذ أصبح الأطباء يستدعون "الغشاء" للفصل في قضايا الشرف، حسب الوعي الطبي القاصر في ذلك الزمن، ما رسخ في ثقافة المجتمعات أن هذا الغشاء هو الختم المادي والقطعي للعذرية.
ومع التقدم الطبي في العصر الحديث، أصبح غشاء البكارة لا يُعتد به كدليل قطعي على العذرية، إذ أكد الطب التجريبي والمنظمات الصحية، مثل "منظمة الصحة العالمية"، أن الغشاء يختلف بشكل واسع من امرأة لأخرى. بعض الفتيات يولدن بدونه، وبعض الأغشية مرنة أي "مطاطية" لا تنزف عند الإيلاج، وتحتاج إلى تدخل جراحي لإزالتها. كما أن بعض الأنواع الرقيقة قد تتمزق نتيجة أنشطة رياضية أو حوادث دون حدوث اتصال جنسي. والأغرب أنه قد يحدث اتصال جنسي كامل مرارًا وتكرارًا دون أن يُفض الغشاء بشكل فعلي رغم حدوث نزيف ناتج عن ضيق المنطقة في بداية ممارسة العلاقة الزوجية مع استمرار وجود الغشاء حتى يُفض بشكل كامل مع أول ولادة طبيعية، وفقًا لتأكيدات أطباء النساء والتوليد. بناءً على ذلك، أمسى "فحص العذرية" يصنف علميًا في وقتنا الحالي كإجراء "غير دقيق وغير علمي".
ورغم التطور الطبي الذي أثبت عدم قطعية هذا الدليل المزعوم، ورغم ثبوت الوظيفة البيولوجية للغشاء - وهي حماية رحم الطفلة من الجراثيم وفضلات البراز في سنوات عمرها الأولى من الوصول للرحم حتى لا تسبب مشكلات تناسلية خطيرة قد تصل إلى العقم، لأن البيئة المهبلية قبل البلوغ لا تكون حامضية بما يكفي لقتل الجراثيم - إلا أن الثقافة الشعبية والسينما والإعلام في القرن العشرين ساهمت بشكل قوي في تعزيز هذه الفكرة وجعلها تبدو وكأنها حقيقة مطلقة.
هذا جعل تغيير الموروث الثقافي يواجه مقاومة شديدة بسبب ارتباطه العميق بمفاهيم الشرف العائلي، رغم وجود الغشاء عند الكثير من أنواع الثدييات، مثل: الأبقار، والفيلة، وبعض أنواع القرود. وبالتأكيد لم يُخلق الغشاء عند الحيوانات لإثبات العذرية وحماية شرف "القطعان"، بل خلقه الله لنفس السبب البيولوجي المذكور سلفًا.
من الناحية الدينية، فإن الدين الإسلامي لا يعترف بالغشاء كدليل على العذرية، إذ استند الفقهاء المعاصرون إلى الحقائق الطبية العلمية التي تؤكد أن غياب الدم في العلاقة الزوجية الأولى لا يعني أبدًا غياب العذرية أو ارتكاب الفاحشة. بناءً على ذلك، يقرر الدين أن الأصل في المسلم والمسلمة - على حد السواء - العفة والطهارة، ولا يجوز زوال هذا الأصل إلا بدليل قاطع، مثل: الاعتراف أو شهادة أربعة شهود.
وبهذا، فإن الفقه يُدرك الحقائق العلمية، ولا يتشبث بأوهام ومعتقدات بالية لا تمت للواقع بصلة، فالزوجة التي لا تنزف أو يتبين عدم وجود غشاء بكارة لها، هي عذراء شرعًا، ولا يحق للزوج السعي وراء الفحص الطبي بدعوى التشكيك، لأن ذلك يعد من قذف المحصنات الذي يأثم عليه. واتفق الفقهاء أن الواجب عليه شرعًا وعقلاً إحسان الظن واستمرار الحياة الزوجية.
وتتعدد الدلائل الدينية والواقعية التي تؤكد أن الغشاء تم تحميله ما لا يحتمل حتى جُرد من حقيقته على مر العصور، أذكر منها - على سبيل الأمثلة لا الحصر - أن الله تعالى يساوي في العقوبة وحق التوبة للزانية والزاني. وغالبية الآراء الفقهية تقول بتغليظ حد الزنا للزاني والزانية المحصنين. إذًا فكيف يخلق الله دليل يفضح به الفتاة غير المحصنة ولا يخلق دليل يفضح به امرأة محصنة رغم جرمها الأكبر إذا زنت؟!!.
كما أنه سبحانه وتعالى لو أراد خلق دليل على العذرية لخلقه بحكمة عظيمة تناسب قدرته غير المحدودة. ففضلًا عن أن هناك فتيات يولدن بدونه وأن الفتاه قد تمتلك غشاء مطاطي أو أنه قد يتمزق لأسباب غير ممارسة الجنس، فالفتاة تستطيع بمنتهى البساطة ممارسة الجنس السطحي والفموي وقد تمارس الجنس الخلفي أيضًا - وهو كبيرة عظيمة - دون أن يمس الغشاء بأدنى سوء. الغريب حقًا أن مثل هذه الفتاة تعد بكرًا في نظر المجتمع، وغيرها من العفيفات صدقًا قد لا يكونن أبكارًا بمقياس غشاء البكارة؟!!.
بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب الغشاء ليس قرينة من قرائن الزنا شرعًا للفتاة البكر أي التي لم يسبق لها الزواج. ولو كان دليل قطعي على العذرية، ألا يجدر بغيابه أن يكون قرينة واضحة وثابتة وموثوقة على وقوع الزنا؟!!.
ما يدعو للمرارة أن هذه الحقيقة الدينية القطعية تُقابَل بهجوم عنيف من أنصار الغشاء الذين يتعجبون من أن الله منح النساء الكرامة، في حين يقرون سلب المجتمع إياها بتقاليده التي وضعتها بدايةً في موضع إتهام! فالفتاة متهم عليه إثبات براءته بقطرات دماء، وصولًا لما يعرف بـ "الدخلة البلدي" وثقافة "المنديل" في بعض المجتمعات الشعبية والريفية والصعيدية، التي تشهد ما تشمئز منه الفطرة السليمة ويرفضه الدين الحنيف، وينأى عنه أصحاب المروءة. المفارقة هنا أن موافقة الرجل على وضع زوجته أو نساء بيته في موضع المتهم المُطالب بإثبات براءته أمام العائلة، بل وأحيانًا أمام أهل البلدة كلها، هي طعن مباشر وصريح لرجولته وشرفه. أتعجب كيف لمن يسمح بذلك أن يُحسب على الرجال؟!.
وأخيرًا.. للمُتمسكين بكونه دليل عذرية، إذا افترضنا جدلًا أنه كذلك، إذن.. هاتوا برهانكم على أن من تنزف في العلاقة الأولى لم تمارس أشكال مختلفة من الجنس مع الحفاظ على الغشاء؟!! وهاتوا برهانكم على عفة المرأة المطلقة والأرملة بل والمتزوجة نفسها ما دمتم لا تثقون في بناتكم وزوجاتكم وأخواتكم!!!! ثمة تساؤلات في حاجة إلى إجابات واقعية عقلانية: ما دليل استمرار المرأة في الحفاظ على شرفها بعد الزواج بمنظورك؟ كيف تثق فيمن تزوجتها بعد أن تزوجتها واختفى دليل عذريتها للأبد؟ وكيف تثق فيمن تتزوج من المطلقات والأرامل؟!!!.
هنا دائمًا ما يجادلني المجالدلون وتتعالى أصواتهم بتساؤلات على شاكلة: "انتوا عايزين البنات تمشي على حل شعرها؟" و"انتو عايزين الزنا ينتشر؟" وهنا أقول بملء فمي: إن المغزى من المقال لم يصلك إطلاقًا. مقالي هذا يكشف أن الغشاء ليس دليل حقيقي على العذرية، وأنك واقعيًا لا تسطيع أن تثبت أو تنفي عذرية فتاة بدليل مادي. هذه هي الحقيقة المثبتة - دينيًا وعلميًا - ولو كره الكارهون. فكم من فتاة عفيفة طُعنت في شرفها بل وقُتلت بسبب قطرات دماء لم تظهر، وكم من زانية عاشت في سلام وعاش زوجها منتشيًا يظن أنه رأى دليل عفتها، فنالت رضا الزوج والمجتمع.
عزيزي القارئ.. اليوم لديك خيارين لا ثالث لهما، إما أن تواصل الاستمتاع بالوهم الذكوري كمخدر يحجب الواقع بدليل مزعوم - لا يمنع خديعة الزوج من زوجة ليست عذراء حقًا، ولا يحمي زوجة عفيفة لم تنصفها الدماء من الظلم - أو محاولة فتح قلبك وبصيرتك للحقيقة التي تنتصر لكرامتك وكرامة أهل بيتك من النساء. ماذا يضيرك أن تعيش فتيات عائلتك ومجتمعك بكرامة كما منحها الله إياها، وكفانا بريئات ظُلمن وقُتلن بدعوى الشرف، وليس ذلك من الشرف في شيء والله، بل غياب للنخوة.
إن مقالي هذا ما هو إلا دعوة لإعمال العقل، وهجر الاتباع الأعمى للنمط الفكري الذي يستنكره القرآن الكريم "بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون". وهنا تحضرني المقولة الشهيرة "اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء، بل إن الأحياء أموات".
اقرأ أيضًا..
الأكثر قراءة
-
طبيبة من برشلونة ومهدئات.. كيف قادت خيوط العلاج النفسي لكشف حقيقة وفاة أحمد الدجوي؟
-
العقد والتذكرة والإقامة 3 أشهر مجانا.. 400 وظيفة للمهنيين المصريين في إيطاليا
-
موعد صرف مرتبات شهر مايو 2026.. اعرف هتقبض كام بعد الزيادة الجديدة
-
أم تلقي نفسها وطفليها في النيل من أعلى كوبري دندرة بقنا
-
الذهب يواصل خسائره وسط تصاعد أزمة هرمز.. كم سجل عيار 21؟
-
انتهك قدسية الكنيسة.. القصة الكاملة لحفل راقص في دير سمعان بالمقطم (خاص)
-
سلك شاحن ولغز الـ 8 متهمين.. كيف تلاعب قاتل الطفلة "كيان" بأقواله في تحقيقات أسيوط؟
-
نشر أسماء ضحايا ومصابي "مجزرة أبنوب" بأسيوط.. والتحقيقات تكشف تفاصيل الواقعة
أكثر الكلمات انتشاراً