الجمعة، 22 مايو 2026

10:52 م

الرجل بين امرأتين.. يبحث في كل واحدة عن رجل مختلف داخله

ليس كل رجل يقف بين امرأتين يكون باحثًا عن نزوة كما تتصور بعض النساء، ولا خائنًا بالمعنى السطحي الذي تختصره الأحكام السريعة، لأن المسألة في كثير من الأحيان أكثر تعقيدًا وأشد التباسًا من مجرد رغبة عابرة أو انجذاب مؤقت. هناك رجال يدخلون هذا التيه العاطفي لأن كل امرأة تلمس داخلهم منطقة مختلفة، وتوقظ نسخة مختلفة، وتمنحهم شعورًا لا تمنحه الأخرى. وكأن الرجل لا يعيش حب امرأتين فقط، بل يعيش شخصيتين، أو قلبين، أو صورتين مختلفتين عن نفسه.... يعيش نسختين من نفسه.

قد يحب امرأة لأنه يشعر معها بالأمان، ويحب الأخرى لأنه يشعر معها بأنه حي.

واحدة تمنحه الطمأنينة، والأخرى تمنحه الدهشة.

واحدة تُشبه البيت، والأخرى تُشبه النافذة المفتوحة على احتمالات جديدة.

فيجلس الرجل بينهما مرتبكًا، لا لأنه لا يعرف من يحب، بل لأنه لا يعرف أي نسخة من نفسه يريد أن يحتفظ بها.

بعض النساء يعتقدن أن الرجل يحب المرأة الأجمل أو الأذكى أو الأكثر اهتمامًا، بينما الحقيقة النفسية أكثر عمقًا من ذلك بكثير. الرجل غالبًا يحب المرأة التي يحب نفسه معها. المرأة التي يشعر بقربها أنه أكثر خفة، أكثر رجولة، أكثر نجاحًا، أكثر فهمًا، أكثر قبولًا لذاته. ولذلك قد يتعلق رجل بامرأة لا تملك كل المواصفات التي كان يضعها قديمًا، فقط لأنها جعلته يرى نفسه بطريقة مختلفة. جعلته يحب صورته الداخلية وهو بجانبها.

وهنا تبدأ أكثر المناطق إيلامًا في العلاقات؛ لأن المرأة تعتقد أنها تتنافس مع امرأة أخرى، بينما الحقيقة أنها أحيانًا تتنافس مع شعور. مع نسخة عاطفية يعيشها الرجل مع غيرها. وهذا ما يجعل المقارنة موجعة إلى هذا الحد. فالمرأة تستطيع أن تتقبل أن هناك امرأة أجمل منها، لكنها تنكسر أكثر عندما تشعر أن هناك امرأة تجعل الرجل أكثر سعادة، أكثر كلامًا، أكثر حنانًا، أو أكثر حياة.

الرجل نفسه قد لا يفهم ما الذي يحدث داخله بدقة. قد يظن أنه يحب المرأتين بنفس القوة، لكنه في الحقيقة لا يمنحهما الشيء نفسه. فالحب ليس كمية متساوية تُقسم بين شخصين، بل حالة نفسية مختلفة تمامًا مع كل إنسان. هناك امرأة توقظ عقل الرجل، وأخرى توقظ قلبه. امرأة تُشعره بأنه مسؤول وناضج، وأخرى تعيده إلى خفة البدايات واندفاعها. ولذلك يبدو الرجل أحيانًا شخصًا مختلفًا بالكامل من علاقة لأخرى، حتى إن المرأة تتساءل بدهشة: من هذه النسخة التي لم أعرفها منه أبدًا؟

بعض الرجال مع امرأة يصبحون أكثر هدوءًا واتزانًا، ومع أخرى يصبحون أكثر شغفًا واندفاعًا. مع واحدة يتحدث بثقة، ومع الأخرى يتحدث بعفوية طفل وجد أخيرًا من يفهمه دون شرح طويل. وهذا الاختلاف لا يعني دائمًا أن أحد الحبّين كاذب، بل يعني أن النفس البشرية معقدة إلى درجة تجعل الإنسان يرى أجزاء مختلفة من نفسه عبر أشخاص مختلفين.

لكن المشكلة تبدأ عندما يحاول الرجل الاحتفاظ بكل النسخ دفعة واحدة. هنا يتحول الحب إلى إنهاك نفسي. لأن الإنسان قد ينجح لبعض الوقت في تقسيم وقته، لكنه لا يستطيع تقسيم روحه بالعدل الذي يتخيله. سيبدأ تدريجيًا بالشعور بالتمزق، لأن كل امرأة ستطلب النسخة الكاملة منه، بينما هو موزع بين صورتين، وصوتين، وحاجتين عاطفيتين مختلفتين.

والمرأة تشعر بذلك حتى لو لم يتكلم. تشعر أن الرجل ليس حاضرًا بالكامل، وأن جزءًا من روحه يعيش في مكان آخر. وأكثر ما يؤلم المرأة ليس فكرة وجود أخرى فقط، بل فكرة أن هناك شعورًا لا تستطيع الوصول إليه داخل الرجل. ولهذا تبدأ المقارنات الصامتة التي تستهلكها من الداخل: لماذا يضحك معها أكثر؟
لماذا يبدو أخف؟
لماذا يقول لها كلمات لم يقلها لي؟
لماذا أراه معها الرجل الذي تمنيت أن يكونه معي؟

المرأة لا تغار فقط من امرأة أخرى، بل تغار من النسخة التي تخرجها تلك المرأة من الرجل. تغار من بريق عينيه، من خفته، من حماسه، من حضوره المختلف. لأن كل ذلك يوقظ داخلها سؤالًا قاسيًا: هل المشكلة فيّ؟ أم أنه فقط لم يكن نفسه الحقيقية معي؟

وهنا تحديدًا تقع كثير من النساء في فخ جلد الذات. تبدأ بمراجعة شكلها، وطريقتها، وكلماتها، واهتماماتها، بينما الحقيقة قد لا تكون نقصًا فيها أبدًا. فالعلاقات ليست معادلات رياضية. أحيانًا يلتقي الرجل بامرأة تُخرج جانبه الحنون، وأخرى تُخرج جانبه الطموح، وثالثة تُخرج خوفه أو ضعفه أو احتياجه. كل علاقة تعمل كمرآة مختلفة، تعكس جزءًا معينًا من شخصيته.

لكن هل هذا يعني أن الرجل معذور دائمًا؟ بالطبع لا.
ففهم التعقيد النفسي لا يعني تبرير الأذى. هناك فرق كبير بين رجل مرتبك بمشاعره، ورجل أناني يريد الاحتفاظ بكل ما يمنحه شعورًا جيدًا دون أن يتحمل أثر ذلك على النساء اللاتي يحببنه. بعض الرجال لا يريدون خسارة أي شعور يمنحهم الحياة، فيحتفظون بالمرأتين معًا، حتى لو كان الثمن قلق امرأة، ودموع أخرى، وضياع الاثنين.

الرجل أحيانًا يقع في حب المرأة التي تمنحه الإحساس الذي يفتقده داخله. فإذا كان يشعر بعدم الاكتمال، تعلق بمن تجعله قويًا. وإذا كان يشعر بأنه غير مرئي، أحب المرأة التي تجعله محور عالمها. وإذا كان متعبًا من صرامة الحياة، انجذب لمن تمنحه مساحة خفة وراحة وهروب. ولهذا فالحب عند بعض الرجال لا يكون دائمًا حبًا خالصًا للمرأة، بل حبًا للحالة النفسية التي يعيشها معها.

وهذا ما يفسر لماذا يعجز بعض الرجال عن ترك امرأة لا تناسبهم منطقيًا. الجميع حوله يرى العلاقة متعبة أو غير مستقرة، لكنه يظل متعلقًا بها لأنها تمنحه شعورًا معينًا تجاه نفسه لا يجده في مكان آخر. كأنها لا تمنحه الحب فقط، بل تمنحه نسخة يحبها من ذاته.

وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية.
أن الرجل قد يحب امرأة بصدق، ثم يلتقي أخرى تجعله يكتشف جانبًا جديدًا من نفسه، فيرتبك بين الوفاء لما يشعر به، وبين الانجذاب لما اكتشفه حديثًا داخله. لا يعود السؤال: من أحب أكثر؟ بل: مع من أشعر أنني الشخص الذي أريده؟

ومع الوقت يكتشف أن محاولة الجمع بين الشعورين تستنزفه. لأن القلب الذي ينقسم طويلًا، يتعب طويلًا. ولأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش عمره كله ممزقًا بين نسختين من ذاته. سيأتي يوم يضطر فيه للاختيار، ليس بين امرأتين فقط، بل بين رجلين يسكنانه.

الرجل الذي يشعر بالأمان مع امرأة، وبالحياة مع أخرى، يعيش صراعًا حقيقيًا لا يراه الناس. لكنه أحيانًا يتأخر جدًا في فهم أن الحب الناضج لا يقوم فقط على ما نشعر به، بل على ما نستطيع حمايته دون أن نكسر الآخرين. فليس كل شعور يستحق أن نتبعه، وليس كل انجذاب يعني أن نمنحه حق هدم القلوب.

أما المرأة، فهي غالبًا الأكثر تعبًا في هذه المعادلة. لأنها لا تبحث فقط عن حب الرجل، بل عن يقينه. تريد أن تشعر أنها الاختيار الكامل، لا نصف الاختيار. تريد رجلًا يدخل إليها بروحه كلها، لا رجلًا يترك جزءًا من قلبه مع امرأة أخرى ثم يعود إليها بما تبقى.

ولهذا تبقى المرأة ممزقة أمام سؤال لا إجابة مريحة له: هل كان يحب الأخرى فعلًا… أم كان يحب نفسه معها أكثر؟

وربما الإجابة الأصعب أن الأمرين قد يكونان صحيحين معًا.

search