السبت، 23 مايو 2026

02:30 ص

أعجوبة سبقت عصرها.. كيف يحمي هرم خوفو نفسه من الزلازل؟

أهرامات الجيزة

أهرامات الجيزة

يُعد هرم الجيزة الأكبر، أو هرم خوفو، إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة التي ما تزال صامدة أمام تقلبات الزمن، بعدما نجا عبر آلاف السنين من الزلازل، وفقدان غلافه الأصلي من الحجر الجيري الأبيض، وعمليات النهب، ليبقى شامخًا في قلب الصحراء وكأنه بُني حديثًا. لكن ما سر هذا الصمود الاستثنائي؟

دراسة حديثة تكشف المفاجأة

تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «Nature» إلى أن سر بقاء الهرم لا يعود فقط إلى كتلته الضخمة، بل إلى طريقة تفاعله الذكية مع الأرض أثناء الزلازل، عبر مزيج من الخبرة الجيوتقنية وما يُعرف بـ«رنين الأرض».

ولتبسيط الفكرة، شبّه الباحثون الأمر بالأرجوحة؛ فعندما تُدفَع بنفس إيقاع حركتها الطبيعية، تزداد قوة التأرجح تدريجيًا، وهي الظاهرة المعروفة باسم «الرنين»، حيث يتطابق تردد القوة الخارجية مع التردد الطبيعي للجسم، ما يؤدي إلى تضخيم الحركة.

كيف تتسبب الزلازل في انهيار المباني؟

أثناء الزلازل تهتز الأرض بترددات محددة، وإذا تزامن تردد المبنى الطبيعي مع تردد الأرض، يبدأ المبنى بالتأرجح بعنف، ما يزيد من حجم الأضرار وقد يؤدي إلى الانهيار. ولهذا السبب يحرص المهندسون المعاصرون على تصميم المباني بطريقة تمنع هذا التوافق الخطير.

37 جهاز استشعار داخل الهرم

قاد الدراسة عالم الزلازل المصري عاصم سلامة، من المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيائية، حيث قام فريقه بتركيب 37 جهاز استشعار للاهتزازات داخل الهرم وفي محيطه، شملت الحجرات الداخلية والممرات والكتل الخارجية والأرض المحيطة.

وقاس الباحثون الاهتزازات الدقيقة الناتجة عن الرياح والأمواج البعيدة وحتى حركة المرور، بهدف تحديد ما وصفوه بـ«معدل ضربات قلب» الهرم.

سر التردد المختلف

أظهرت النتائج أن الأرض المحيطة بالهرم تهتز بتردد يبلغ نحو 0.6 هرتز، بينما يهتز الهرم نفسه بتردد أعلى يتراوح بين 2 و2.6 هرتز، بمتوسط 2.3 هرتز.

ويُعد هذا الاختلاف جوهريًا، إذ يمنع حدوث «الرنين» بين الأرض والهرم أثناء الزلازل، ما يقلل انتقال الطاقة الزلزالية ويمنع تضخيم الاهتزازات المدمرة. وبعبارة أخرى، يبدو الهرم وكأنه «أصم» تجاه أخطر موجات الزلازل.

غرف تخفيف الضغط.. وظيفة إضافية مذهلة

لاحظ الباحثون أيضًا أن الاهتزازات داخل الهرم تزداد كلما ارتفعنا إلى أعلى، باستثناء منطقة واحدة مهمة تُعرف بـ«غرف تخفيف الضغط»، وهي خمس حجرات متراكبة تقع فوق غرفة الملك مباشرة.

وكان يُعتقد تقليديًا أن دور هذه الغرف يقتصر على توزيع الأحمال الضخمة ومنع انهيار غرفة الدفن، لكن الدراسة كشفت وظيفة إضافية لافتة، إذ تنخفض الاهتزازات بشكل كبير داخل هذه الحجرات رغم ارتفاعها الكبير.

ويرجع ذلك إلى تصميمها الهندسي القائم على الفراغات والانقطاعات داخل البنية الحجرية، ما يعيق انتشار الموجات الزلزالية ويساعد على تبديد الطاقة، لتعمل عمليًا كمخمدات زلزالية طبيعية تمتص جزءًا من تأثير الهزات الأرضية.

هل كان الأمر مقصودًا؟

ورغم النتائج المذهلة، حذر الباحثون من الجزم بأن المصريين القدماء صمموا الهرم عمدًا لمقاومة الزلازل، إذ وصف عاصم سلامة هذا الطرح بأنه «لا يزال في إطار التكهنات».

لكن الدراسة تشير إلى امتلاك بناة الهرم فهمًا متقدمًا للهندسة الجيوتقنية، يتجلى في اختيار قاعدة من الحجر الجيري الصلب، وتركيز الكتلة بالقرب من الأرض، وتصميم قاعدة عريضة متناظرة، وهي كلها عناصر تُعرف اليوم بأنها تزيد مقاومة المباني للزلازل والانقلاب.

أعجوبة هندسية سبقت عصرها

خلصت الدراسة إلى أن هرم خوفو ليس مجرد بناء حجري ضخم، بل نموذج مذهل للمرونة الهندسية والقدرة على مقاومة الكوارث الطبيعية، مؤكدة أن نتائجه تمثل شاهدًا مبكرًا على مبادئ الهندسة الزلزالية القديمة التي ما تزال تلهم علوم البناء الحديثة حتى اليوم.

search