د. رضا فرحات يكتب: إيران وأمريكا.. اتفاق وشيك أم ضربة تعيد إشعال المنطقة؟
تشهد منطقة الشرق الأوسط لحظة سياسية شديدة التعقيد والحساسية، مع تصاعد التساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما إذا كانت المرحلة المقبلة تتجه نحو اتفاق سياسي يعيد ضبط إيقاع المنطقة، أم نحو مواجهة عسكرية جديدة قد تفتح أبوابا واسعة من التصعيد يصعب احتواؤها.
هذا التساؤل لم يعد مجرد احتمال سياسي يناقش، بل أصبح عنوانًا رئيسيًا لمعادلة الأمن والاستقرار الإقليمي، في ظل تشابك المصالح الدولية، وتداخل الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وأمن الملاحة، والطاقة، والنفوذ الإقليمي الممتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
المشهد الحالي يشير بوضوح إلى أن العلاقة بين واشنطن وطهران تتحرك داخل مساحة شديدة التذبذب، تتراوح بين ضغوط التفاوض ورسائل الردع، الولايات المتحدة تدرك أن أي انزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران لن يكون حدثًا محدودا أو قابلا للضبط بسهولة، بل قد يتحول إلى صراع إقليمي واسع يمتد أثره إلى أسواق الطاقة العالمية والممرات البحرية الاستراتيجية، ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الدولي وأمن المنطقة بأكملها.
وفي المقابل، تدرك إيران أن استمرار سياسة التصعيد المفتوح يحمل تكلفة سياسية واقتصادية وأمنية باهظة، خاصة في ظل العقوبات الممتدة، والتحديات الداخلية، والضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة، وهو ما يجعل خيار العودة إلى طاولة التفاوض قائما ومطروحا بقوة، حتى وإن بدا الخطاب السياسي والإعلامي في بعض اللحظات متجها نحو التصعيد.
لكن السؤال الأهم ليس: هل هناك رغبة في الاتفاق؟ بل: هل توجد ضمانات متبادلة تسمح بتحويل هذه الرغبة إلى تفاهم سياسي مستدام؟
هنا تكمن جوهر الأزمة، المشكلة لم تكن يوما في غياب قنوات الاتصال، وإنما في أزمة الثقة العميقة بين الطرفين، وهي أزمة تراكمت عبر عقود من المواجهة غير المباشرة، والعقوبات، والاتفاقات التي وُقعت ثم انهارت، والتفاهمات التي بدأت ثم توقفت تحت ضغط المتغيرات الداخلية والإقليمية.
من هنا، يمكن القول إن فرص التوصل إلى اتفاق لا تزال قائمة، بل وربما أكبر من فرص الحرب الشاملة، لأن كلفة المواجهة المباشرة على الجميع أصبحت مرتفعة للغاية، سياسيا وعسكريا واقتصاديا إلا أن ذلك لا ينفي احتمال حدوث ضربات محدودة أو عمليات عسكرية محسوبة تستخدم كورقة ضغط تفاوضية أو كرسالة ردع متبادلة، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
بمعنى أدق، المنطقة تقف حاليا بين تفاهم مؤجل وتصعيد محسوب، وليس بالضرورة بين سلام كامل أو حرب شاملة، وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز الدور المصري بوصفه أحد أهم ركائز الاتزان الإقليمي وصوتا عقلانيا فاعلا داخل معادلة الشرق الأوسط.
لقد رسخت مصر، بقيادة عبد الفتاح السيسي، نهجا ثابتا قائما على تغليب الحلول السياسية، ورفض منطق الانزلاق إلى المواجهات العسكرية المفتوحة، والدفع المستمر نحو تسوية الأزمات عبر الحوار والتفاهم واحترام سيادة الدول وعدم توسيع دوائر الصراع.
ويكتسب الموقف المصري أهمية خاصة في هذا التوقيت، لأن القاهرة تنظر إلى أمن الخليج العربي وأمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة باعتبارها دوائر مترابطة لا تقبل التجزئة، وأن أي اضطراب في هذه الجغرافيا السياسية سينعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي العربي وموازين الاستقرار الإقليمي.
مصر تمتلك رصيدا سياسيا ودبلوماسيا كبيرا يؤهلها للعب دور مؤثر في دعم جهود التهدئة وخفض التوتر، ليس فقط بحكم ثقلها الإقليمي، وإنما أيضا بحكم مصداقيتها السياسية وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.
إن المنطقة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الحروب، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للدبلوماسية باعتبارها المسار الأكثر واقعية لحماية الأمن والاستقرار.
ويبقى السيناريو الأقرب، من وجهة نظري، هو استمرار الضغوط المتبادلة بين واشنطن وطهران خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا، وصولا إلى صيغة تفاهم جديدة قد لا تكون اتفاقا شاملا بالمعنى التقليدي، لكنها قد تمثل إطارا مرحليا يمنع الانفجار الكبير ويؤجل المواجهة المباشرة أما إذا فشلت المسارات السياسية، وتعطلت قنوات الوساطة، وتقدمت حسابات القوة على حساب منطق التفاهم، فإن احتمالات الضربات المحدودة ستظل واردة، بما يحمله ذلك من مخاطر اتساع رقعة الأزمة.
وفي كل الأحوال، فإن الشرق الأوسط يقف أمام اختبار سياسي بالغ الدقة؛ اختبار تتجاوز نتائجه حدود إيران والولايات المتحدة، ليطال مستقبل الاستقرار الإقليمي بأكمله.
ويبقى الرهان الحقيقي معقودا على انتصار الحكمة السياسية على منطق الصدام، وعلى قدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة خلافاتها بعيدا عن حافة الانفجار، حفاظا على أمن المنطقة، وصونا لمصالح شعوبها، ومنعا لانزلاق جديد لا يحتمل العالم كلفته.
الأكثر قراءة
-
حاولت إنهاء حياتها.. فتاة تتهم زوجها بالنصب وتهديدها بالقتل
-
البحث عن مروة.. لغز المكالمة الأخيرة من داخل فيلا زوجها قبل الاختفاء في 2019
-
هل البريد يعمل غدًا الثلاثاء 26 مايو بمناسبة إجازة عيد الأضحى 2026؟
-
بين رفاهية التالجو وزحام "الروسي".. رحلة على قضبان التفاوت الطبقي إلى الصعيد
-
قبل عيد الأضحى.. قرار عاجل من الحكومة بشأن شقق سكن لكل المصريين
-
"وطي المزيكا يا أبو الضبع".. خلاف داخل سكن جامعي ينتهي بمأساة في الإسماعيلية
-
الأمواج تسحب طفلا في بحر الغرق بقرية قصر الباسل بالفيوم
-
تدريب بنك CIB 2026 للطلاب.. رابط وشروط التقديم في البرنامج الصيفي
أكثر الكلمات انتشاراً