الأحد، 31 مايو 2026

11:28 م

استسلام سياسي.. انحسار طموح ترامب في إيران من تغيير النظام إلى الخروج الآمن

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

مع اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق قد يضع حداً للمواجهة التي اندلعت بين الطرفين، تتزايد التساؤلات حول المسافة الفاصلة بين الأهداف التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية الحرب والنتائج التي يبدو أنها تتشكل على أرض الواقع اليوم.

تغيير في أولويات الولايات المتحدة

فبعد مرحلة اتسمت بخطاب تصعيدي وأهداف واسعة النطاق، تشير التطورات الأخيرة إلى مسار مختلف تقوده المفاوضات والاتصالات الدبلوماسية، ما يعكس تغيراً ملحوظاً في الأولويات التي طُرحت مع انطلاق الحرب في 28 فبراير، وفقًا لصحيفة "الجارديان" البريطانية.

لطالما ارتبطت الحروب بخطط وأهداف تُطرح عند بدايتها، قبل أن تفرض الوقائع معطيات جديدة على الأطراف المتصارعة.

وفي حالة المواجهة الأمريكية الإيرانية، تبدو الفجوة واضحة بين التصورات الأولية التي رافقت اندلاع الحرب وبين المسار الذي تتجه إليه الأحداث حالياً، بعد أسابيع من المفاوضات المتقطعة التي وضعت واشنطن وطهران على أعتاب اتفاق محتمل لإنهاء القتال.

وتشير التقارير إلى أن أبرز النتائج المباشرة لأي اتفاق مرتقب ستكون إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة بشكل طبيعي.

أهمية مضيق هرمز في المفاوضات

برز ملف مضيق هرمز باعتباره أحد أكثر الملفات إلحاحاً خلال الأزمة، فالممر البحري، الذي كان يمثل قبل الحرب نحو 20% من إمدادات النفط الخام العالمية، شهد إغلاقاً من جانب إيران، ما انعكس على الاقتصاد الأمريكي من خلال ارتفاع أسعار الوقود وظهور مشكلات مرتبطة بإمدادات الأسمدة، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على الأسعار وسلاسل الإمداد الغذائية.

ويُنظر إلى التركيز الأمريكي على إعادة فتح المضيق باعتباره مؤشراً على الأهمية التي اكتسبتها هذه الورقة في سياق الصراع، حيث كانت تسير حركة السفن بشكل طبيعي عبر المضيق قبل اندلاع الحرب.

اتفاق مؤقت ومفاوضات نووية مرتقبة

وبحسب ما تم تداوله، فإن مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها بمساعدة وسطاء من باكستان وقطر تنص على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً.

وخلال هذه الفترة، من المقرر إجراء مفاوضات تتعلق بالنزاع المستمر منذ نحو عقدين حول البرنامج النووي الإيراني.

ويعتبر بعض المراقبين أن مجرد الوصول إلى تسوية من هذا النوع يعكس تحولاً كبيراً مقارنة بالأهداف التي كانت مطروحة في بداية الحرب.

انتقادات تعتبر الاتفاق تراجعاً عن الأهداف الأصلية

في هذا السياق، رأى عدد من المحللين أن ملامح الاتفاق المرتقب تعكس تقلصاً في سقف الأهداف الأمريكية.

وكتب الباحث في السياسة الخارجية بمعهد بروكينجز، روبرت كاجان، في مقال نشرته مجلة "أتلانتيك"، أن الهدف النهائي لترامب أصبح يتمثل في التوصل إلى استسلام سياسي يسمح له بالخروج من الأزمة بأقل الخسائر.

وأشار إلى أن الأسواق المالية قد تستجيب إيجابياً إذا عاد النفط للتدفق عبر مضيق هرمز بعد إعادة فتحه، حتى لو تم ذلك ضمن ترتيبات تمنح إيران دوراً مؤثراً في إدارة الوضع الجديد.

تحذيرات من داخل المعسكر الجمهوري

ولم تقتصر التحفظات على المنتقدين التقليديين لترامب، بل امتدت إلى شخصيات جمهورية بارزة معروفة بمواقفها المتشددة تجاه إيران.

فقد أعرب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، من بينهم ليندسي جراهام وتيد كروز وروجر ويكر، إلى جانب مايك بومبيو، عن مخاوفهم من أن يؤدي الاتفاق إلى ترتيبات تشبه الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة باراك أوباما عام 2015، والمعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

وجاءت هذه التحذيرات بعدما أعلن ترامب أن الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه أصبح مكتملاً بنسبة 95%.

أهداف طُرحت مع بداية الحرب

منذ الساعات الأولى للحرب، قدم ترامب مجموعة من الأهداف الطموحة التي وصفها بأنها ضرورية لتحقيق الأمن الأمريكي.

ففي بيانه الأول بعد إصدار أوامر تنفيذ الضربات الأمريكية ضد أهداف إيرانية، قال إن الهدف يتمثل في حماية الشعب الأمريكي من التهديدات الوشيكة القادمة من النظام الإيراني.

كما دعا عناصر الحرس الثوري والقوات المسلحة والشرطة الإيرانية إلى إلقاء السلاح، وحث الشعب الإيراني على تولي زمام الأمور داخل بلاده.

وفي الوقت ذاته، شدد على أن الاستسلام غير المشروط هو الخيار المقبول الوحيد، وأكد مراراً أن القدرات العسكرية الإيرانية قد تعرضت لتدمير واسع.

تقييمات مختلفة لنتائج الحرب

يرى محللون أن التطورات اللاحقة لم تتطابق مع الصورة التي رُسمت في بداية الحرب.

وقال سينا طوسي إن ترامب دخل الحرب بأهداف شملت تغيير النظام الإيراني، وإضعاف البرنامج النووي، وتدمير القدرات الصاروخية، وإنهاء نفوذ الحلفاء الإقليميين لطهران.

وأضاف أن التقارير اللاحقة أشارت إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لم تتعرض للضرر بالحجم الذي جرى تصويره، موضحاً أن نسبة كبيرة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية ما زالت قائمة.

بقاء النظام الإيراني

ورغم الضربات الإسرائيلية التي استهدفت عدداً من القادة الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، فإن النظام الإيراني استمر ولم يشهد التغيير الذي تحدث عنه ترامب في بداية الحرب.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس الأمريكي عن أن القيادات الجديدة أكثر اعتدالاً، تشير تقارير إلى أن النظام يبدو أكثر تشدداً، حيث نُسب إلى مجتبى خامنئي قوله إنه يتوقع زوال إسرائيل بحلول عام 2040.

الملف النووي يعود إلى صدارة الأولويات

مع تراجع الحديث عن تغيير النظام، تحول التركيز الأمريكي بصورة أكبر نحو منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

إلا أن هذا الملف بدوره يثير نقاشات واسعة، خصوصاً بعد الضربات التي استهدفت منشآت فوردو وناتانز وأصفهان النووية.

وكان ترامب قد أعلن حينها أن تلك الضربات دمرت مخزون اليورانيوم الإيراني، غير أن تقديرات متداولة تشير إلى أن إيران لا تزال تمتلك نحو 970 رطلاً من اليورانيوم عالي التخصيب، وهي كمية يقال إنها تكفي لصناعة عشر قنابل نووية، وأنها موزعة في مواقع تحت الأرض.

ويشير منتقدو ترامب إلى أن تراكم هذا المخزون جاء بعد انسحاب الولايات المتحدة عام 2018 من الاتفاق النووي الذي كان يفرض قيوداً على عمليات التخصيب الإيرانية.

وكان المفتشون الدوليون قد أكدوا آنذاك التزام طهران ببنود الاتفاق، وهو ما أعاد الجدل حول جدوى الانسحاب منه.

ترامب في معضلة بين نهجين

ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، روبرت ليتواك، أن ترامب وجد نفسه أمام معضلة بين نهجين مختلفين في السياسة الخارجية الأمريكية.

الأول يقوم على تغيير الأنظمة وإحداث تحولات جذرية، بينما يركز الثاني على عقد اتفاقات عملية تهدف إلى تعديل السلوك دون إسقاط الأنظمة.

وبحسب ليتواك، فإن الظروف دفعت ترامب نحو الخيار الثاني، ما قد يؤدي إلى اتفاق يشبه في جوهره نسخة معدلة من الاتفاق النووي السابق، وربما بشروط أقل تشدداً.

وخلال الفترة الأخيرة، طرح ترامب مجموعة من الشروط الإضافية، من بينها دعوة إيران إلى جانب السعودية ومصر والأردن وتركيا للانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم.

غير أن هذه الطروحات واجهت عقبات واضحة، إذ ترفض إيران هذا المسار بشكل كامل، بينما تربط السعودية أي اعتراف بإسرائيل بالتوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

أما مصر، التي وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979، فتبدو هذه الفكرة بالنسبة لها بلا أهمية عملية.

أزمة ثقة 

في المقابل، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنز، ولي نصر، أن العقبة الأساسية لا تتعلق بالأيديولوجيا أو التوازنات السياسية الداخلية، بل بمسألة الثقة.

وأوضح أن الإيرانيين يشككون في مدى التزام ترامب بأي اتفاق يتم التوصل إليه، ويعتقدون أن أي تفاهم محتمل يجب أن يسبقه تنفيذ خطوات عملية تثبت جدية الولايات المتحدة.

وأضاف أن الرؤية الإيرانية تقوم على تنفيذ إجراءات متبادلة بصورة تدريجية، تشمل تثبيت وقف إطلاق النار، والإفراج عن الأصول، وسحب القوات، ورفع الحصار بشكل متدرج، قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع حول الملف النووي.

اقرأ أيضًا:
ترامب: قريبون من اتفاق «جيد جداً» مع إيران.. والخيار العسكري جاهز

search