الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
09:54 م
"عم محسن" أقدم إسكافي بالمنيا
في أحد أركان شارع "التجارة" النابض بالحياة بمدينة المنيا، يجلس العم محسن ممسكًا بأدواته البسيطة التي أكل الدهر عليها وشرب، بيمينٍ اعتادت الصبر والدقة، يلمع حذاءً وينفض عنه غبار الطريق، بينما تحكي ملامح وجهه قصة زمن جميل لم يعد موجودًا إلا في ذاكرته.
هنا، في مملكته الصغيرة، لا تقاس السنوات بالأرقام، بل بعدد الأحذية التي أصلحها، وعدد الخطوات التي ساعد البشر على مواصلتها.
لم يكن العم “محسن عبد السلام إسماعيل”، مجرد عامل بسيط في مهنة الإسكافي، بل هو واحد من أقدم حراس هذه المهنة في محافظة المنيا، بدأت رحلته مع "صندوق الورنيش" وهو في السادسة من عمره؛ في وقت كان فيه الطفل يتعلم الحرفة قبل أن يتعلم القراءة والكتابة.
ومع بلوغه الثانية عشرة، تمرد الصبي على مجرد كونه "مساعدًا لوالده"، ليصبح صانعًا ماهرًا قادرًا على غزل وتفصيل الحذاء كاملًا بيده، متقنًا أدق تفاصيل "الجزمة البلدي" التي كانت يومًا عنوانًا للأناقة والهيبة الصعيدية، فالبشوات والعمد كانوا يُعرفون من أحذيتهم.. كان الحذاء يعبر عن مكانة صاحبه الاجتماعية.

بابتسامة تحمل حنينًا جارفًا، يتحدث عم "محسن" لموقع “ تليجراف مصر ” عن زمن مختلف عاصره بكل تفاصيله؛ أيام "المليم والقرش"، حين كان الحذاء يُصنع من الجلد الطبيعي الخالص بنسبة 100%، مضيفاً وعيناه تلمعان: «البهوات والبشوات والعمد كانوا يعرفوا من الجزمة اللي بيلبسوها»، حيث كانت الحرفة حينها عنوانًا للفخامة، وكانت الجودة تغني عن أي مظاهر زئبقية أخرى.

ولم تأت خبرة العم محسن من فراغ، بل هي امتداد لجذور عائلية عريقة ورثها أبًا عن جد، ومن بين جميع إخوته، كان هو الوحيد الذي اختار أن يسير في هذا الطريق الوعر، متمسكًا بحرفة ربما يراها البعض بسيطة، لكنها بالنسبة له كانت "الحياة كاملة".
من خلف هذا الصندوق الخشبي الصغير والجلد والمطرقة، استطاع العم محسن تحقيق أعظم إنجازاته فتزوج ورزق بثلاثة من الأبناء، وقام بتعليمهم حتى وصلوا إلى مراحل التعليم الجامعي ليثبت للعالم أن العمل اليدوي الشريف يمكن أن يصنع مستقبلًا كريمًا ويخرج أجيالًا نافعة للمجتمع.

رغم الطوفان التكنولوجي الذي اجتاح كل المهن وتغلغل الآلات الحديثة في عالم الأحذية، لا يزال العم محسن متمسكًا بأسلوبه البدائي والعتيق، يعمل بيديه العاريتين دون الاعتماد على أي ماكينات حديثة، هو يؤمن إيمانًا راسخًا بأن "الشغل اليدوي" هو روح المهنة، وأنه يمنح الحذاء جودة ولمسة خاصة مستحيل أن تقلدها الآلات الصماء، حتى وإن أصبحت الماكينات هي السائدة في معظم محال الإسكافية اليوم.

16 سبتمبر 2026 09:23 م
16 سبتمبر 2026 09:21 م
16 سبتمبر 2026 04:34 م
16 سبتمبر 2026 07:54 م
16 سبتمبر 2026 07:00 م
16 سبتمبر 2026 06:46 م
16 سبتمبر 2026 06:46 م
16 سبتمبر 2026 06:32 م
أكثر الكلمات انتشاراً