الشرق الأوسط بين طاولة التفاوض وجبهات الاشتباك
لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط قابلا للقراءة بمنطق الحرب وحدها، ولا بمنطق السلام وحده، المنطقة تعيش لحظة سياسية شديدة التعقيد، تختلط فيها لغة التفاوض بصوت السلاح، وتتحرك فيها الدبلوماسية بالتوازي مع العمليات العسكرية، في مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة، لكنه محكوم بحقيقة واحدة: أن الشرق الأوسط يدار اليوم بمنطق الصراع المستمر، لا بمنطق الحسم النهائي.
بينما تفتح قنوات تفاوض جديدة بشأن الملف النووي الإيراني، تتصاعد في الوقت نفسه وتيرة المواجهة على الجبهة اللبنانية، وتتوسع الحسابات الأمنية الإسرائيلية على الأرض، بما يعكس أن المنطقة لم تعد تتحرك بين خيارين متناقضين؛ الحرب أو السلام، وإنما داخل مساحة رمادية واسعة تتداخل فيها التسويات المؤقتة مع الاشتباكات المفتوحة، والرسائل السياسية مع الوقائع العسكرية.
في هذا السياق، تبدو الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب وكأنها تعيد صياغة مقاربتها تجاه الإقليم من زاوية أكثر براغماتية، وبدلا من السعي إلى اتفاق شامل وكبير مع إيران يجري التعامل مع الملفات الكبرى عبر مسارات تفاوض جزئية ومجزأة، تستهدف احتواء التوتر ومنع الانفجار، أكثر مما تستهدف الوصول إلى تسوية تاريخية شاملة، الملف النووي، العقوبات الاقتصادية، أمن الملاحة، النفوذ الإقليمي.. جميعها تتحرك ضمن مسارات منفصلة، لكنها مترابطة في الحسابات الاستراتيجية.
غير أن هذه العودة إلى التفاوض لا تعني تراجعا في أدوات الضغط، بل العكس تماما، إذ يتزامن المسار السياسي مع تصعيد ميداني واضح في جنوب لبنان ، حيث تتعامل إسرائيل مع اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وتثبيت معادلات أمنية جديدة على حدودها الشمالية، ومن هنا لا يبدو التحرك الإسرائيلي مجرد رد فعل أمني عابر، بل جزء من رؤية استراتيجية أوسع لإعادة إنتاج ميزان الردع وفق شروط جديدة تفرض بالنار قبل أن تطرح على طاولة السياسة.
ويبرز في هذا المشهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوصفه أحد أكثر اللاعبين إدراكا لطبيعة اللحظة الراهنة، إذ يوظف الاضطراب الإقليمي والسيولة السياسية المحيطة لصالح فرض وقائع ميدانية جديدة، قد تتحول لاحقا إلى أوراق تفاوضية في أي تسوية مقبلة، الميدان بالنسبة له لم يعد فقط ساحة مواجهة، بل وسيلة لإعادة صياغة المستقبل السياسي للحدود والنفوذ ومعادلات الأمن الإقليمي.
وهنا تكمن المفارقة الأبرز؛ فكلما فتح باب للتفاوض في ملف، اشتعلت جبهة أخرى في ملف مواز، وكأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تدار فيها الأزمات بطريقة تسمح باستمرار التوتر ضمن سقف محسوب، من دون السماح بانهيار شامل، ومن دون الوصول كذلك إلى استقرار حقيقي ونهائي، إنها سياسة "إدارة الصراع" لا "حل الصراع"، وهي السياسة التي أصبحت تحكم تفاعلات الإقليم خلال السنوات الأخيرة.
أما إيران فتحاول الحفاظ على معادلة الربط بين ملفاتها الاستراتيجية المختلفة، عبر توظيف نفوذها الإقليمي ضمن رؤية تعتبر أن ساحات النفوذ الممتدة من لبنان إلى سوريا واليمن والعراق تشكل منظومة ضغط متكاملة، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه المعادلة تواجه اختبارا صعبا في ضوء التحولات العسكرية المتسارعة، وتزايد الضغوط الدولية والإقليمية، وتبدل موازين القوة على الأرض.
وعلى الساحة اللبنانية تحديدا، يظل حزب الله طرفا رئيسيا في معادلة الردع، لكنه يتحرك داخل بيئة شديدة الحساسية والتعقيد، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية بالحسابات السياسية الداخلية، مع ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، لذلك يبدو الجنوب اللبناني اليوم عالقا بين احتمالين مؤجلين: لا حرب شاملة تنفجر بالكامل، ولا تهدئة مستقرة تنضج سياسيا، بل حالة استنزاف مفتوحة تتبدل درجاتها وتبقى جذورها قائمة.
وفي مقابل هذه الحركة الإقليمية المتسارعة، يبدو الحضور العربي أقل تأثيرا مما تفرضه خطورة المشهد، التباينات السياسية بين الدول العربية، والانشغال بالأولويات الداخلية، والضغوط الاقتصادية الممتدة، كلها عوامل أضعفت القدرة على بناء موقف عربي موحد قادر على التأثير المباشر في مسار التفاعلات الجارية، والنتيجة أن القوى الدولية والإقليمية أصبحت تتحرك بحرية أكبر في إعادة تشكيل خرائط النفوذ وموازين الردع، بينما يظل الدور العربي في كثير من الأحيان في موقع المتلقي أكثر منه في موقع المبادر.
إن الشرق الأوسط لا يقف اليوم على أعتاب تسوية كبرى، كما أنه ليس بالضرورة متجها إلى انفجار شامل، نحن أمام مرحلة أكثر تعقيدا من الاثنين معا؛ مرحلة تتجاور فيها الدبلوماسية مع القوة العسكرية، وتتحرك فيها المفاوضات تحت غطاء النار، وتصبح الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام أقل وضوحا من أي وقت مضى.
إنها لحظة إقليمية تدار فيها الصراعات ولا تحسم، وتعاد فيها هندسة موازين القوة بصورة مستمرة، بينما يبقى مستقبل المنطقة معلقا بين مفاوضات لم تكتمل بعد، وجبهات اشتباك لم تغلق بعد.
اقرأ أيضًا:
د. رضا فرحات يكتب: إيران وأمريكا.. اتفاق وشيك أم ضربة تعيد إشعال المنطقة؟
الأكثر قراءة
-
إيه السبب؟.. القصة الكاملة للقبض على صبري نخنوخ وشقيقه بالقاهرة
-
لينك التقديم للصف الأول الابتدائي 2026 وخطوات التسجيل
-
10800 جنيه شهريًا.. تفاصيل أعلى شهادات الادخار بالبنوك المصرية
-
كيف تحل مشكلة توقف البريد المدرسي الموحد قبل انطلاق امتحانات الثانوية؟
-
المصنعية تقفز 10% يوليو المقبل.. أزمة جديدة تضرب الذهب
-
النقل: تحطم عربة ربع نقل بعد محاولتها اقتحام مزلقان ميت حلفا المغلق
-
مصرع شخص على يد ابن خالته في الهرم
-
وعي الجمهور المصري هو البطل.. بين "السينما الجماعية" لكريم وعز و"المؤامرة الكونية" لرمضان
أكثر الكلمات انتشاراً