الثلاثاء، 02 يونيو 2026

09:42 م

بوسي سليمان

وعي الجمهور المصري هو البطل.. بين "السينما الجماعية" لكريم وعز و"المؤامرة الكونية" لرمضان

تشهد دور العرض السينمائي حالياً مواجهة فنية ساخنة في موسم صيف 2026، ولم تعد المعركة مجرد منافسة على الإيرادات أو عدد الشاشات، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقوة النجومية ومدى ثقة الجمهور في نجومه، وقدرته على التمييز بين النجاح الجماهيري الحقيقي والضجيج الإعلامي.

في الكفة الأولى يقف كريم عبد العزيز وأحمد عز بفيلمهما الضخم "7Dogs "، وفي الكفة المقابلة يقف محمد رمضان بفيلمه المثير للجدل "أسد".

أولاً: "أسد".. بين الاستلهام من هوليوود والجدل التاريخي

رأى كثير من المتابعين أن فيلم أسد يستعير ملامح واضحة من أفلام عالمية شهيرة، فمن "Braveheart" تظهر رحلة البطل الذي يتحول إلى قائد للتمرد بعد مأساة عاطفية، ومن "Gladiator" يبدو مسار الصعود من مقاتل مقهور إلى رمز تتبعه الجماهير، بينما وجد البعض ظلالاً من "Django Unchained" في فكرة التمرد على منظومة القهر من أجل الحب والحرية.

لكن الجدل الأكبر لم يكن فنياً بقدر ما كان تاريخياً؛ إذ اعتبر قطاع من الجمهور والنقاد أن الفيلم يقدم صراعات وأحداثاً لا تنتمي إلى الواقع التاريخي المصري بالشكل الذي ظهرت به على الشاشة، وهو ما دفع شريحة من المشاهدين إلى العزوف عنه وعدم الاقتناع بالسردية التي يطرحها.

ثانياً: ازدواجية الخطاب الإعلامي

مع تراجع الزخم الجماهيري للفيلم، برزت مفارقة لافتة في الخطاب الإعلامي المصاحب لمحمد رمضان.

فعلى المستوى المحلي، جرى الحديث عن وجود استهداف ومؤامرات من المنافسين والموزعين، بينما لا يظهر الخطاب نفسه عند الحديث عن التعثرات أو الأزمات التي تواجه بعض المشروعات الفنية خارجياً.

هذه المفارقة دفعت كثيرين إلى وصف المشهد بحالة من ازدواجية الخطاب؛ حيث يتم تفسير الإخفاق المحلي باعتباره مؤامرة، بينما يتم تجاهل أو التعتيم على الإخفاقات الأخرى.

ثالثاً: معركة الترند

بالتوازي مع المنافسة داخل دور العرض، اشتعلت معركة أخرى على منصات التواصل الاجتماعي.

فقد لاحظ عدد كبير من المتابعين ظهور عشرات المنشورات المتشابهة، بل والمتطابقة أحياناً، في الإشادة بفيلم "أسد" والتقليل من نجاح "7 Dogs". كما أعاد محمد رمضان نشر عدد من تلك المنشورات عبر حساباته الرسمية، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه الحملات ومدى عفويتها.

لكن الترند الإلكتروني، مهما بلغت قوته، لا يستطيع وحده حسم معركة السينما؛ لأن الحكم النهائي يظل للمشاهد الذي يشتري التذكرة ويقرر بنفسه.

رابعاً: كريم وعز.. رصيد "بنك الجمهور"

يصعب فهم النجاح الكبير الذي حققه "7Dogs " بعيداً عن رصيد الثقة الذي يتمتع به كريم عبد العزيز وأحمد عز لدى الجمهور.

فقد ارتبط اسم كريم عبد العزيز بأعمال وطنية بارزة مثل "الممر" و"كيرة والجن"، بينما ارتبط اسم أحمد عز بأعمال مثل "هجمة مرتدة"، إلى جانب أعمال أخرى عززت حضورهما في وجدان الجمهور.

هذه الأعمال لم تحقق النجاح الجماهيري فقط، بل أسهمت في بناء علاقة ثقة واحترام متبادل بين النجمين والجمهور، وجعلت المشاهد يمنحهما دعماً مسبقاً عند طرح أي عمل جديد.

وفي المقابل، ارتبطت الصورة الفنية لمحمد رمضان لدى قطاع واسع من الجمهور بأعمال تدور في أغلبها، حول القوة والنفوذ والعنف والصراع مع المجتمع. 

ورغم النجاح التجاري الذي حققته بعض هذه الأعمال، فإنها صنعت صورة ذهنية مختلفة تماماً عن تلك التي بناها كريم عبد العزيز وأحمد عز على مدار سنوات.

ولهذا، عندما يدخل النجمان أي منافسة فنية جديدة، فإنهما لا يعتمدان فقط على الفيلم المعروض، بل على رصيد طويل من الثقة والاحترام المتراكم لدى الجمهور، وهو رصيد يصعب بناؤه عبر الحملات الدعائية أو الترندات الإلكترونية.

خامساً: النضج المهني واحترام الجمهور

يتميز كريم عبد العزيز وأحمد عز بطريقة هادئة في إدارة النجاح والأزمات، بعيداً عن الصدامات اليومية أو معارك مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد عزز هذا السلوك صورتهما لدى الجمهور، وجعل شعبيتهما تتجاوز حدود الفيلم الواحد أو الموسم الواحد. فالجمهور قد يختلف في الأذواق، لكنه لا يتخلى بسهولة عن النجوم الذين بنوا معه علاقة ثقة واحترام عبر سنوات طويلة.

خلاصة القول

ما كشفته المعركة السينمائية الحالية ليس مجرد صراع بين فيلمين، بل اختبار حقيقي لوعي الجمهور المصري.

لقد أثبت الجمهور أن اقتناعه بالعمل الفني لا يُفرض عليه عبر الترندات أو الحملات الإلكترونية، وأنه قادر على رفض أي عمل لا يقتنع بسرديته، مهما بلغت ميزانيته أو حجم الترويج المصاحب له.

وفي المقابل، أكد نجاح "7 Dogs" أن رصيد الثقة المتراكم عبر السنوات يظل أحد أهم عناصر النجاح في صناعة السينما. فالجمهور منح كريم عبد العزيز وأحمد عز دعمه لأنه يعرفهما ويثق في مسيرتهما الفنية، بينما وجد فيلم "أسد" نفسه في مواجهة أسئلة صعبة حول مضمونه التاريخي وخطابه الإعلامي.

وفي النهاية، تبقى الكلمة الأخيرة دائماً للجمهور، لا للترندات، ولا للشعارات، ولا لادعاءات المظلومية؛ لأن شباك التذاكر يظل الحكم الأكثر صدقاً بين الجميع.

search