الطروحات والأموال الساخنة.. ماذا تخسر مصر إذا خرجت من مؤشر الأسواق الناشئة؟
مصر
أثارت وثيقة التشاور الصادرة عن شركة S&P Dow Jones Indices "إس آند بي داو جونز" بشأن مراجعة تصنيف الأسواق لعام 2026، تساؤلات واسعة داخل الأوساط المالية المصرية، بعدما اقترحت خفض تصنيف البورصة المصرية من فئة الأسواق الناشئة إلى فئة الأسواق المبتدئة، مع تطبيق القرار المحتمل اعتبارًا من سبتمبر 2027.
ورغم أن القرار لم يُحسم بعد، فإن مجرد طرحه للنقاش أعاد فتح ملف التحديات الهيكلية التي تواجه سوق المال المصرية، وأثار مخاوف بشأن تأثيره على تدفقات الاستثمار الأجنبي وأداء الأسهم المحلية خلال السنوات المقبلة.
موقف إدارة البورصة المصرية
وقال مسؤول حكومي إن إدارة البورصة المصرية ستتواصل اليوم مع القائمين على "إس آند بي داو جونز" للمؤشرات لمعرفة تخوفاتهم والعمل على حلها، وإيضاح الصورة بشأن سهولة دخول وخروج الاستمارات الأجنبية للبورصة المصرية.
وأكد المسؤول لـ"تليجراف مصر" أن البورصة المصرية وتحركاتها وفقًا للبيانات الرسمية، توضح أن السوق المالية المصرية متوافقة مع قواعد المؤشر للأسواق الناشئة، خاصة أن كل التشريعات والقوانين تراعي دائمًا سهولة تحرك الأموال، سواء في الدخول أو الخروج.
وأظهرت بيانات البورصة المصرية وتعاملات الإنتربنك على مدار الأيام الماضية بالتزامن مع الحرب الأمريكية الإيرانية خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين بقيمة وصلت إلى 9 مليارات دولار خلال أيام معدودة.
قدرة الاقتصاد على جذب رؤوس الأموال
من جانبه، أوضح محمد عبد الحكيم، خبير أسواق المال، أن أي قرار يتعلق بخفض تصنيف البورصة المصرية أو إعادة تصنيفها من الأسواق الناشئة إلى الأسواق المبتدئة يعكس تقييمًا من الجهات الدولية لمجموعة من المؤشرات الاقتصادية والمالية، ويستند إلى معايير محددة تتعلق ببيئة الاستثمار وكفاءة الأسواق وقدرة الاقتصاد على جذب رؤوس الأموال.

وأشار عبد الحكيم، في تصريحات خاصة، إلى أن خفض التصنيف عادة ما يكون نتيجة وجود مخاوف لدى مؤسسات التقييم بشأن عدد من المؤشرات الاقتصادية، مثل ارتفاع معدلات التضخم، أو وجود ضغوط على ميزان المدفوعات، أو تحديات مرتبطة بالسيولة وتدفقات النقد الأجنبي، أو غيرها من العوامل التي قد تؤثر على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
وسجل ميزان المدفوعات عجزًا كليًا بقيمة 2.1 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025-2026، مقارنة بعجز بلغ 502.6 مليون دولار خلال نفس الفترة من العام السابق، وفقًا لتقرير ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي لمصري.
تراجع مستوى الثقة لدى المؤسسات المالية
وأضاف أن خفض التصنيف يعني تراجع مستوى الثقة لدى المؤسسات المالية والمقرضين الدوليين، وهو ما ينعكس على تكلفة التمويل والاقتراض، حيث يطالب المستثمرون والمقرضون بعوائد أعلى مقابل تحمل مخاطر أكبر، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة خدمة الدين.
ولفت خبير أسواق المال إلى أن من بين المعايير التي تراقبها مؤسسات التصنيف الدولية مدى سهولة دخول وخروج المستثمرين الأجانب من السوق، بالإضافة إلى استقرار الأداء الاقتصادي والمؤسسي، ومدى توافق السوق مع المعايير المطلوبة ضمن تصنيفات الأسواق الناشئة.
الأموال الساخنة
وبحسب الوثيقة، فإن التحديات الهيكلية في السوق لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بسهولة دخول وخروج المستثمرين الأجانب، إلى جانب عدم استقرار الأداء الاقتصادي والمؤسسي، وهو ما لا يتوافق مع معايير تصنيف الأسواق الناشئة لدى “S&P”.
فيما يشير أحدث تقرير لوكالة ستاندر آند بورز العالمية للتصنيف الائتماني، إلى أن تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية غير المباشرة “الأموال الساخنة” الخارجة من أدوات الدين المحلية في مصر ارتفعت إلى نحو 10 مليارات دولار خلال شهر مارس الماضي، وذلك بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع الأمريكي الإيراني.
وقفزت تعاملات سوق الإنتربنك للدولار في مصر بنحو 26.3% خلال الشهر الأول من تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع الأمريكي الإيراني، لتسجل نحو 9.35 مليار دولار خلال مارس 2026، مقارنة بنحو 7.4 مليار دولار في فبراير السابق له.
وشهد سعر صرف الجنيه، تراجعًا ملحوظًا خلال نفس الفترة؛ إذ فقد نحو 13.9% من قيمته أمام الدولار، بما يعادل انخفاضًا يقارب 6.67 جنيه، ليقترب من مستوى 55 جنيهًا بنهاية الشهر، وخلال أبريل الماضي، سجل الدولار تراجعًا جزئيًا في مكاسبه، ليعود إلى مستوى 51 جنيهًا تقريبًا حاليًا، مدعومًا بعودة جزء من التدفقات الأجنبية وتحسن نسبي في شهية المستثمرين، بالتزامن مع هدوء نسبي في حدة التوترات الجيوسياسية.

وأكد أن أي ملاحظات سلبية تتعلق بحرية حركة رؤوس الأموال أو كفاءة السوق أو البيئة التنظيمية تؤثر على التقييم النهائي الذي تصدره مؤسسات التصنيف، وهو ما قد ينعكس على جاذبية السوق أمام المستثمرين الأجانب خلال الفترة المقبلة.
وأوضح عبد الحكيم أن تأثير خفض التصنيف لا يقتصر على البورصة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد الكلي، إذ يؤدي تراجع الثقة إلى ارتفاع تكلفة التمويل الخارجي، وهو ما قد ينعكس على أسعار الفائدة ومستويات التضخم، ويؤثر في النهاية على معدلات النمو والاستثمار.
وتابع أن سوق الأسهم يتأثر بصورة مباشرة بهذه التطورات، حيث تنخفض التقييمات العادلة للأسهم مع ارتفاع المخاطر وزيادة تكلفة الأموال، وهو ما يدفع بعض المؤسسات الاستثمارية إلى إعادة النظر في مستهدفاتها السعرية للأسهم المدرجة، مشددًا على أن الحفاظ على استقرار المؤشرات الاقتصادية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز كفاءة السوق المالية، تمثل عوامل رئيسية لدعم ثقة المستثمرين والحفاظ على جاذبية البورصة المصرية أمام رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
حالة تقييم شاملة لأداء السوق المصري
من جانبه، قال حسام عيد، خبير أسواق المال، إن مراجعة تصنيف البورصة المصرية من بعض المؤسسات الدولية بين الأسواق الناشئة والأسواق المبتدئة، يعكس في جوهره حالة تقييم شاملة لأداء السوق المصري خلال الفترة الأخيرة، ومدى قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة.
وأوضح عيد، في تصريحات خاصة، أن تصنيفات الأسواق المالية لا تُبنى على عامل واحد فقط، وإنما تعتمد على مجموعة من المعايير الفنية والاقتصادية، تشمل حجم وقيمة التداولات اليومية، ومستوى السيولة داخل السوق، وحجم رأس المال السوقي، إضافة إلى درجة كفاءة البنية التشريعية والتنظيمية، وسهولة دخول وخروج المستثمرين، واستقرار بيئة الاستثمار بشكل عام.
وأضاف أن البورصة المصرية شهدت خلال السنوات الماضية تحسنًا ملحوظًا في عدد من المؤشرات، حيث ارتفع رأس المال السوقي من مستويات تقارب التريليون جنيه في فترات سابقة إلى ما يقارب 3.8 تريليون جنيه خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يعكس حالة من النمو والتوسع في القيمة السوقية لعدد كبير من الأسهم المدرجة، وتحقيق العديد منها لمستويات سعرية تاريخية غير مسبوقة.
برنامج الطروحات الحكومية
وأشار خبير أسواق المال إلى أن هذه الطفرة جاءت نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية، من بينها التحسن التدريجي في مؤشرات الاقتصاد الكلي، والسياسات النقدية التي اتبعها البنك المركزي خلال الفترة الماضية، بالإضافة إلى برنامج الطروحات الحكومية الذي ساهم في تنشيط حركة التداول وجذب شرائح جديدة من المستثمرين المحليين والأجانب على الرغم من حالة التباطؤ التي عليها.
وفي وقت سباق، أكد صندوق النقد الدولي عقب استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر، في فبراير الماضي، أن الجهود التي تبذلها السلطات المصرية لتقليص دور الدولة في الاقتصاد، لاسيما التقدم المحرز في برنامج الخصخصة، جاءت أبطأ من المتوقع، رغم التحسن الملحوظ في مؤشرات الاستقرار الاقتصادي الكلي، مشيرًا إلى أن التقدم في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية ضمن برنامج التعاون كان متفاوتًا، بالتوازي مع ترسيخ استقرار الاقتصاد الكلي.
ولفت الصندوق إلى أن إجراءات الاستقرار الاقتصادي بدأت تحقق نتائج إيجابية، حيث تسارع معدل النمو، وأسهم تشديد السياسة النقدية في خفض معدلات التضخم، إلى جانب تحسن الوضع الخارجي بدعم من مرونة سعر الصرف وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، مشددًا على ضرورة تسريع تنفيذ “الإصلاحات الأعمق”، وفي مقدمتها تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتسريع برنامج التخارج من القطاعات غير الاستراتيجية، بما يعزز جذب استثمارات القطاع الخاص ويخفض احتياجات التمويل.
وكانت الحكومة أعلنت في فبراير 2023 نيتها طرح أسهم 32 شركة مملوكة للدولة، من بينها بنك القاهرة، في البورصة أو لمستثمرين استراتيجيين، قبل أن تضيف لاحقًا ثلاث شركات أخرى إلى القائمة، هي الشرقية للدخان، والعز الدخيلة للصلب، والمصرية للاتصالات.
الاستثمارات الأجنبية
وتطرق عيد إلى ملف الاستثمارات الأجنبية، موضحًا أن حركة دخول وخروج المستثمرين الأجانب لا يمكن تفسيرها دائمًا على أنها إشارة سلبية أو إيجابية مطلقة؛ حيث إن جزءًا من هذه التحركات يرتبط بإعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية، أو التحول بين أدوات الاستثمار المختلفة، مثل التحول من أدوات الدخل الثابت إلى الأسهم أو العكس، وذلك وفقًا لتغيرات أسعار الفائدة ومستويات المخاطر في الأسواق الناشئة.
وقال إن انخفاض أسعار الفائدة نسبيًا خلال بعض الفترات يدفع شريحة من المستثمرين إلى تقليل الاعتماد على أدوات الدين الحكومية، والبحث عن فرص أعلى عائدًا في سوق الأسهم، وهو ما قد يفسر بعض التحركات في السيولة داخل البورصة، دون أن يعني ذلك بالضرورة خروجًا سلبيًا من السوق.
وتشير وثيقة إس آند بي داو جونز، إلى أن القيمة السوقية للبورصة المصرية تبلغ نحو 62.8 مليار دولار، مع متوسط تداول يومي عند حوالي 39.1 مليون دولار، فيما لا تتجاوز حصة مصر في مؤشر الأسواق الناشئة 0.12%، مقارنة بوزن متوقع يصل إلى 3.43% في مؤشرات الأسواق الحدودية.
وأضاف أن بعض الصفقات الكبرى التي شهدها السوق المصري خلال السنوات الأخيرة، مثل صفقات الاستحواذ على شركات كبرى في قطاعات العقارات والخدمات المالية وغيرها، ساهمت في رفع القيمة السوقية وتعزيز جاذبية السوق أمام المستثمرين الدوليين، خاصة مع تحسن تقييمات عدد من الشركات مقارنة بالقيم العادلة لها.
وشدد خبير أسواق المال على أن تصنيف الأسواق المالية، سواء بالترقية أو الخفض، يتم من خلال مراجعات دقيقة تجريها مؤسسات تصنيف دولية، تعتمد على مؤشرات مركبة تشمل السيولة، وعمق السوق، ومستوى الإفصاح والشفافية، ومدى توافق السوق مع المعايير الدولية الخاصة بحماية المستثمرين، مؤكدًا أن استمرار برنامج الطروحات الحكومية، إلى جانب تحسين بيئة الاستثمار وزيادة معدلات الاستقرار الاقتصادي، من شأنه أن يدعم موقف البورصة المصرية في أي مراجعات مستقبلية للتصنيف، وأن يساهم في جذب المزيد من التدفقات الاستثمارية سواء من المؤسسات المالية الأجنبية أو المستثمرين العرب والأفراد.
الأكثر قراءة
-
"المساعد ربنا".. أول تعليق من بائع الجرائد المسن بعد سرقة عيديته بحلوان (خاص)
-
لينك التقديم للصف الأول الابتدائي 2026 وخطوات التسجيل
-
10800 جنيه شهريًا.. تفاصيل أعلى شهادات الادخار بالبنوك المصرية
-
كاتب إسرائيلي متطرف يهاجم شيخ الأزهر.. ما القصة؟
-
كيف تحل مشكلة توقف البريد المدرسي الموحد قبل انطلاق امتحانات الثانوية؟
-
بعد مقترح تسعيرة الكشف الطبي.. هل ستترك الدولة المرضى فريسة للقطاع الخاص؟
-
المصنعية تقفز 10% يوليو المقبل.. أزمة جديدة تضرب الذهب
-
فرحة العيد لم تكتمل.. جاءت من الغنايم للفسحة فغرقت في أبوتيج بأسيوط
أخبار ذات صلة
مدفوعات فوائد الدين تلتهم 54% من مصروفات مصر خلال 10 أشهر
02 يونيو 2026 10:59 ص
سعر صرف الريال السعودي أمام الجنيه اليوم الثلاثاء 2 يونيو في البنوك
02 يونيو 2026 03:50 ص
ارتفاعات حادة بأسعار النفط.. خام غرب تكساس يقفز 8% وبرنت يسجل 97 دولارًا
01 يونيو 2026 09:45 م
بـ 8 مدن جديدة.. تفاصيل طرح 19 ألف وحدة سكنية ضمن سكن لكل المصريين
01 يونيو 2026 11:20 م
أسعار سبائك الذهب في مصر اليوم الإثنين.. كم بلغ سعر 2.5 جرام btc؟
01 يونيو 2026 10:30 م
أسعار الذهب اليوم في مصر.. عيار 21 يخسر 45 جنيهًا
01 يونيو 2026 03:31 م
وزير البترول: دور مصر محوري كمركز للطاقة بين بحر قزوين وأوروبا
01 يونيو 2026 07:59 م
لدعم الاستقرار.. شراكة عربية أفريقية لتعزيز الأمن السيبراني والسيادة الرقمية
01 يونيو 2026 06:50 م
أكثر الكلمات انتشاراً