الخميس، 04 يونيو 2026

05:18 ص

ليس كل من يجلس على الكرسي قادرًا على التغيير

في كل حديث عن الإصلاح والتطوير، تتجه الأنظار دائمًا إلى الخطط والاستراتيجيات، وكأن المشكلة كانت يومًا في نقص الأفكار أو غياب الرؤية، بينما الحقيقة الأكثر وضوحًا والأقل اعترافًا بها هي أن الأزمة في كثير من الأحيان لا تتعلق بما نريد أن نفعله، بل بمن سيفعله. فكم من خطط وُضعت بعناية، وكم من رؤى كُتبت بحماس، لكنها تلاشت على أرض الواقع لأن من أُوكل إليهم التنفيذ لم يكونوا على قدر المسؤولية.

اختيار الكفاءات ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل هو حجر الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء بعد ذلك، لأن المنصب لا يمنح القدرة، بل يكشف عنها. فليس كل من يجلس على كرسي القيادة قادرًا على إحداث الفرق، وليس كل من يحمل لقبًا يمتلك بالضرورة أدوات التأثير. الكفاءة هنا لا تعني فقط شهادات مُعلّقة على الجدران أو سنوات طويلة من العمل، بل تعني عقلًا قادرًا على الفهم والتحليل، وشخصية تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار، وروحًا تشعر بحجم المسؤولية وتأثيرها على الناس.

المشكلة الحقيقية التي نعاني منها ليست ندرة الكفاءات كما يُشاع، بل في الطريقة التي نختار بها هذه الكفاءات، حين تُبنى القرارات على العلاقات أو المجاملات أو حتى الانطباعات السريعة، يتحول المنصب من وسيلة لخدمة العمل إلى غاية في حد ذاته، ويصبح الحفاظ عليه أهم من تحقيق الهدف منه. وفي هذه اللحظة يبدأ التراجع، ليس بشكل مفاجئ، بل بشكل تدريجي، حتى نجد أنفسنا أمام منظومة تعمل، لكنها لا تُنجز، تتحرك، لكنها لا تتقدم.

وإذا تأملنا الواقع بعمق، سنجد أن كثيرًا من الكفاءات الحقيقية موجودة بالفعل، لكنها لا تجد الطريق، لأنها لا تُجيد الظهور بقدر ما تُجيد العمل، بينما يتقدم غيرها ممن يمتلكون مهارات العرض لا مهارات الإنجاز، وهنا يحدث الخلل الأكبر، حين تختلط المعايير، فيُقدَّم من يتحدث جيدًا على من يعمل بصدق، ويُقصى من يستحق لأنه لا يملك أدوات الترويج لنفسه.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة ضبط هذه المعادلة، من الإيمان بأن المكان يجب أن يُمنح لمن يستطيع أن يُضيف إليه، لا لمن يبحث عنه كامتياز. وهذا لن يتحقق إلا إذا كانت هناك معايير واضحة لاختيار القيادات، معايير تُقاس فيها القدرة على حل المشكلات، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، والقدرة على العمل تحت ضغط، وليس فقط القدرة على تقديم وعود براقة.

كما أن منح الفرصة لا يجب أن يكون نهاية الطريق، بل بدايته، لأن التقييم المستمر هو الضمانة الوحيدة لبقاء الكفاءة في مكانها الصحيح. فالمناصب ليست ملكًا لأحد، بل مسؤولية مرتبطة بالأداء، تتجدد مع النجاح، وتنتهي مع التقصير. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أهمية الدمج بين الخبرة والشباب، لأن كل طرف يمتلك ما ينقص الآخر، والتكامل بينهما هو ما يصنع الفارق الحقيقي.

إن اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب لا ينعكس فقط على المؤسسة، بل يمتد أثره إلى المجتمع كله، لأن القرار الجيد حين يُنفذ بكفاءة، يختصر الوقت، ويوفر الجهد، ويخلق حالة من الثقة بين المواطن والمنظومة التي يتعامل معها. وعلى العكس، فإن القرار نفسه حين يقع في يد غير مؤهلة، يتحول إلى عبء جديد يُضاف إلى سلسلة من الإحباطات المتراكمة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن التغيير لا تصنعه الكلمات، بل يصنعه الأشخاص، وأن الفارق بين واقع ثابت وواقع يتقدم قد يكون في اختيار واحد صحيح، أو اختيار واحد خاطئ. فالتاريخ لا يتوقف طويلًا أمام من شغلوا المناصب، لكنه يتوقف كثيرًا أمام من استطاعوا أن يصنعوا بها فرقًا.

فإذا أردنا مستقبلًا مختلفًا بحق، فلن نحتاج إلى المزيد من الشعارات، بل إلى شجاعة القرار في اختيار من يستحق، لأن البداية الصحيحة وحدها هي التي تضمن نهاية تستحق أن نصل إليها.

search