الخميس، 11 يونيو 2026

11:34 م

المستشار محمد نجيب

حين يتحول شغفنا إلى إذلال وخيبة أمل!

كرة القدم التي يعشقها معظمنا ويعتبرها متنفساً له من ضغوط الحياة وهمومها أصبحت منغصاً إضافياً وسبباً يستدعي الحزن والأسى وربما الانكسار لكل من لديه ذرة إنسانية..

كرة القدم، رغم كل شيء، لغة مشتركة تتجاوز الحدود والجنسيات والسياسة، تتيح لشابٍ بسيطٍ قادمٍ من قرية متواضعة أن يكون ملكاً متوّجاً مثل محمد صلاح أو ميسي أو رونالدينيو؛ فهي بالنسبة للبعض مثل بلورة سحرية يمكن أن تنقل أحدهم إلى عوالم أخرى ساحرة وأكثر إبهاراً.


معظمنا ينتظر بطولة كأس العالم لأنها المناسبة النادرة التي تجعل العالم يبدو أقل انقساماً، مشجع من إفريقيا يجلس إلى جوار مشجع من أمريكا الجنوبية، وآخر من آسيا يحتفل بهدف أحرزه لاعب أوروبي، لكن ما نشهده اليوم يثير شعوراً مختلفاً، وغصة في الحلق.


فبين أخبار التأشيرات المرفوضة، والقيود المفروضة على بعض الجنسيات، والجدل الدائر حول دخول مسؤولين أو إعلاميين أو حتى حكم صومالي كان يحلم بالمشاركة في أكبر حدث رياضي على وجه الأرض، يجد كل منا نفسه أمام سؤال مؤلم: أين ذهبت الروح التي أحببنا من أجلها هذه اللعبة؟


المشكلة ليست في دولة تمارس حقها السيادي في تنظيم الدخول إلى أراضيها، ولا في الإجراءات الأمنية التي تراها ضرورية، بل في الصورة التي تتشكل في أذهان الملايين..


صورة بطولة يفترض أن تجمع البشر، لكنها بكل أسف أصبحت تفرقهم؛ إذ يشعر كثيرون أنهم مستبعدون منها أو غير مرحّب بهم بقرار من شخص مختل يشيع الخوف والغضب والاكتئاب في ربوع هذا الكوكب التعس!


كرة القدم لم تصبح اللعبة الشعبية الأولى في العالم بسبب الأموال أو الملاعب أو عقود البث، لكنها صارت كذلك لأنها منحت الناس شعوراً نادراً بالمساواة، فداخل المستطيل الأخضر لا قيمة للون البشرة، ولا لجواز السفر، ولا للغة التي تتحدثها، بل هناك فقط موهبة وحلم وفرصة.


وحين تتلاشى هذه المعاني، يشعر المشجع بخيبة الأمل والغضب وانعدام الرغبة في المشاهدة لأن هذه البطولة لم تعد تمثل القيم التي نحبها، وربما تكون هذه أخطر خسارة يمكن أن تتعرض لها أي بطولة رياضية!


وبهذه المناسبة تابعت المؤتمر الصحفي لإمبراطور الفيفا جون انفاتينو الذي دافع فيه وبرر ما يحدث من تعسف وإذلال لبعض المنتخبات والأندية والحكام، دون أن يتحفنا بإجابة واحدة أو يكشف سر صمته المخزي عن زج السياسة في كرة القدم، وبكل أمانة أتذكر بكل تحسر كيف قدمت قطر أفضل نسخة تنظيمية لكأس العالم رغم كل ما تعرضت له من ابتزاز وهجوم قبل وأثناء وبعد البطولة..


يجب أن يدرك هؤلاء المجانين أن الجماهير تستطيع أن تتقبل الخسارة، وتتجاوز الهزيمة، وتنسى النتائج، لكنها تجد صعوبة كبيرة في التسامح مع الشعور بأن اللعبة التي أحبتها تحولت إلى حدث عنصري بغيض يقصي المختلف ويهين الضيف ويذله!


نريد كأس عالم نتحدث فيه بشغف وحماسة عن الأهداف الجميلة والمهارات الاستثنائية والقصص الإنسانية الملهمة، لا عن الحدود والتأشيرات والإجراءات..


نريد أن يبقى اللاعب لاعباً، والحكم حكماً، والمشجع مشجعاً، لا أن يتحول كل منهم إلى ملف إداري أو قضية سياسية، لأن الرياضة حين تفقد قدرتها على جمع الناس، تفقد أجمل ما فيها.

search