السبت، 13 يونيو 2026

08:03 ص

بين القرب والاختفاء.. الوجه الآخر لـ التقلب العاطفي

من أكثر الأمور إرباكًا في العلاقات الإنسانية أن تجد شخصًا كان حاضرًا بكل تفاصيله، ثم تكتشف فجأة أنه أصبح أبعد مما تتخيل. شخص كان يبادر بالسؤال، ويبحث عن الحديث، ويمنحك شعورًا بأنه يريد البقاء، ثم يتحول إلى إنسان آخر لا يشبه الصورة التي رسمها عن نفسه، ولا يشبه المكانة التي منحها لك في حياته. لا خلاف كبير سبق ذلك، ولا أزمة واضحة تبرر هذا التغير، ولا حدث استثنائي يفسر هذا التحول الحاد. فقط مسافة تتسع، وصمت يزداد، وحضور يتلاشى تدريجيًا أو دفعة واحدة.

هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا في العلاقات الحديثة، حيث صار الاقتراب سريعًا، وصار الانسحاب أسرع. وأصبح كثيرون يعيشون تجربة مربكة مع رجل أو امرأة يقتربون بكل حماس، ثم ينسحبون دون مقدمات كافية أو تفسيرات مقنعة.

المشكلة هنا لا تكمن في انتهاء المشاعر بحد ذاته، فالمشاعر البشرية بطبيعتها قابلة للتغير، والعلاقات ليست عقودًا أبدية تضمن استمرار الإحساس نفسه إلى الأبد. المشكلة الحقيقية تكمن في الطريقة التي يحدث بها هذا التغير، وفي حالة الضباب التي يتركها الشخص المتقلب خلفه. فالرحيل الصريح قد يكون مؤلمًا، لكنه مفهوم. أما الاقتراب الشديد يعقبه اختفاء أو انسحاب غامض، فهو يترك أسئلة أكثر مما يترك إجابات.

الكثير من الناس يخلطون بين انتهاء المشاعر وبين التقلب العاطفي. انتهاء المشاعر قد يكون نتيجة طبيعية لاختلافات عميقة أو اكتشاف عدم التوافق أو تغير الأولويات. أما التقلب العاطفي فهو شيء مختلف تمامًا. إنه حالة من التأرجح المستمر بين الرغبة في الاقتراب والرغبة في الابتعاد، بين الحماس الشديد والبرود المفاجئ، بين إعطاء إشارات قوية بالارتباط ثم التراجع عنها دون مبررات واضحة.

ولهذا يبدو الشخص المتقلب عاطفيًا محيرًا للغاية. فهو لا يتصرف كمن لا يريد العلاقة، ولا يتصرف أيضًا كمن يريدها بثبات. يقترب ثم يتراجع، يفتح الباب ثم يغلقه، يمنح الأمل ثم يسحبه. والأصعب من ذلك أنه في كثير من الأحيان لا يكون متعمدًا لهذا السلوك بالكامل، بل يكون هو نفسه عاجزًا عن فهم دوافعه الحقيقية.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يؤرق كثيرين: لماذا يهرب من أحب؟

قد يبدو السؤال متناقضًا للوهلة الأولى. فإذا كان الحب موجودًا، فلماذا الهروب؟ وإذا كان الهروب حاضرًا، فهل كان الحب حقيقيًا أصلًا؟

علم النفس يقدم إجابة أكثر تعقيدًا من التصورات الشائعة. فليس كل شخص ينسحب من علاقة خالٍ من المشاعر. أحيانًا تكون المشكلة في القدرة على تحمل المشاعر لا في وجودها. بعض الأشخاص يستطيعون الاستمتاع بمشاعر البدايات، لكنهم يشعرون بالارتباك أمام المراحل التي تتطلب التزامًا أعمق ومسؤولية أكبر. الاقتراب العاطفي الحقيقي يجعلهم يشعرون بالانكشاف، وكأن عليهم أن يكشفوا مناطق هشة داخلهم اعتادوا إخفاءها عن الجميع.

بعض الرجال تربوا على فكرة أن التعبير العاطفي ضعف، وأن الاحتياج الإنساني يجب أن يبقى مخفيًا. لذلك قد يشعر الرجل براحة في الاقتراب ما دام الأمر تحت سيطرته، لكنه يتوتر عندما يدرك أنه أصبح مرتبطًا عاطفيًا بصورة حقيقية. عند هذه النقطة يبدأ بالتراجع لا لأنه لا يشعر، بل لأنه يشعر أكثر مما يستطيع التعامل معه.

وبالمثل، توجد نساء يقتربن من العلاقة بكل صدق، ثم تبدأ مخاوف قديمة بالظهور. مخاوف من الخذلان، أو الهجر، أو التعلق الزائد، أو فقدان الاستقلالية. فتبدأ المرأة بالتراجع تدريجيًا، ليس لأنها فقدت اهتمامها بالكامل، بل لأنها دخلت في صراع داخلي بين رغبتها في الأمان وخوفها من نتائجه.

ولهذا يمكن أن نصف بعض هذه الشخصيات بعبارة دقيقة جدًا: يحبك اليوم ويبتعد غدًا... لغز الشخصية المتقلبة عاطفيًا.

إنه اللغز الذي يجعل الطرف الآخر عاجزًا عن فهم الصورة كاملة. فهو لا يرى شخصًا باردًا أو قاسيًا طوال الوقت، بل يرى لحظات دفء حقيقية، واهتمامًا حقيقيًا، وقربًا يبدو صادقًا. ثم يرى الوجه الآخر فجأة؛ وجه التردد والتراجع والهروب.

ومن الأخطاء الشائعة أن يُنظر إلى هذا السلوك باعتباره دليلًا على المكر أو التلاعب دائمًا. نعم، هناك من يتلاعبون بمشاعر الآخرين عمدًا، لكن هناك أيضًا أشخاصًا يعيشون اضطرابًا داخليًا يجعلهم غير قادرين على الثبات. والفرق بين الحالتين كبير جدًا. فالمتلاعب يعرف ما يفعل غالبًا، أما المتقلب عاطفيًا فقد يكون غارقًا في تناقضاته الخاصة.

لكن فهم الدوافع النفسية لا يعني تبرير الأذى. فالعلاقات لا تُقاس بالنوايا فقط، بل بالآثار أيضًا. وقد يترك الشخص المتقلب خلفه جروحًا لا تقل ألمًا عن الجروح التي يتركها الشخص القاسي المتعمد.

والحقيقة أن طريقة المغادرة تكشف عن الإنسان أكثر مما تكشفه طريقة الدخول إلى العلاقة. فالبدايات الجميلة يستطيع كثيرون صناعتها. الكلمات الدافئة ليست مهارة نادرة. الحماس الأولي ليس إنجازًا استثنائيًا. الاختبار الحقيقي يظهر عندما تصبح العلاقة مسؤولية، وعندما تصبح المشاعر بحاجة إلى وضوح واستقرار وقرارات ناضجة.

عند هذه النقطة يظهر الفرق بين من يواجه ومن يهرب.

فالإنسان الناضج عاطفيًا قد يقرر الرحيل، لكنه يشرح، ويوضح، ويتحمل مسؤولية قراره. أما الشخص الذي يختار الاختفاء أو الانسحاب الغامض، فإنه يترك وراءه مساحة واسعة من التساؤلات لأنه لم يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة الموقف بصورة مباشرة.

ومن المهم هنا التأكيد على فكرة يغفل عنها كثيرون: قيمة الإنسان لا تتحدد بمن بقي أو بمن رحل.

كم من شخص رائع خسر علاقة بسبب مخاوف الطرف الآخر، وكم من امرأة ناضجة ابتعد عنها رجل لم يكن مستعدًا لعلاقة مستقرة، وكم من رجل صادق انسحبت منه امرأة كانت تخوض معاركها النفسية الخاصة. ليست كل نهاية شهادة فشل، وليست كل مغادرة حكمًا على قيمة من بقي.

فالناس لا يغادرون دائمًا لأن الطرف الآخر غير كافٍ. أحيانًا يغادرون لأنهم هم غير قادرين على الاستمرار. وهذه نقطة فارقة يجب أن نتوقف أمامها طويلًا.

بل إن بعض حالات الانسحاب المفاجئ تكشف عن عجز الشخص عن إدارة ذاته أكثر مما تكشف عن أي خلل في العلاقة نفسها. فهناك أشخاص يبحثون عن شعور الحب أكثر من بحثهم عن بناء علاقة حب. يستمتعون بالإثارة الأولى، والانجذاب الأول، والاهتمام الأول، لكنهم يشعرون بالملل أو القلق عندما تدخل العلاقة مراحل أكثر عمقًا واستقرارًا.

كأنهم مدمنون على البدايات، لا على الاستمرار.

ولهذا يصبح البقاء بالنسبة لهم أكثر صعوبة من الرحيل. فالبقاء يتطلب مواجهة، وتحملًا، وصبرًا، وقدرة على التعامل مع الاختلافات اليومية. أما الرحيل أو التراجع فيمنحهم شعورًا مؤقتًا بالراحة والهروب من الضغوط.

وغالبا ما  ترتبط هذه السلوكيات كثيرًا بأنماط التعلق غير الآمنة. فهناك من يخافون من الهجر إلى درجة تجعلهم يتعلقون بسرعة كبيرة، ثم ينسحبون بمجرد شعورهم بأي تهديد. وهناك من يخافون من القرب نفسه، فيشعرون بالاختناق كلما أصبحت العلاقة أكثر جدية.

وهؤلاء يعيشون صراعًا داخليًا مستمرًا. يريدون الحب، لكنهم يخافون من تبعاته. يريدون القرب، لكنهم يخشون الاعتماد العاطفي. يريدون الأمان، لكنهم يرتابون منه بمجرد أن يقترب منهم.

لهذا تبدو تصرفاتهم متناقضة في نظر الآخرين، بينما تبدو منطقية تمامًا داخل عالمهم النفسي المضطرب.

واللافت أن كثيرًا من هؤلاء الأشخاص لا يفتقدون الذكاء أو الأخلاق أو النوايا الحسنة، بل يفتقدون القدرة على إدارة مشاعرهم بصورة مستقرة. فالمشكلة ليست في أنهم لا يعرفون الحب، بل في أنهم لا يعرفون كيف يحافظون على حضوره بطريقة متوازنة.

ولهذا فإن العلاقات الناجحة لا تقوم على قوة المشاعر فقط. فالمشاعر وحدها قد تدفع شخصين إلى الاقتراب، لكنها لا تضمن استمرارهما معًا. الذي يصنع الفارق الحقيقي هو النضج العاطفي، والقدرة على تحمل المسؤولية، والشجاعة في مواجهة الذات والآخر.

الحب الجميل ليس ذلك الذي يبدأ بقوة فقط، بل ذلك الذي يعرف كيف يستمر بوعي. وليس الشخص المناسب هو الأكثر اندفاعًا في التعبير عن مشاعره، بل الأكثر قدرة على الثبات عندما تتطلب العلاقة منه جهدًا وصبرًا والتزامًا.

لذلك قد يكون من الضروري أن نعيد النظر في المعايير التي نحكم بها على العلاقات. فالإعجاب السريع ليس دليلًا كافيًا، والكلمات الجميلة ليست ضمانة، والحماس الكبير في البداية لا يكشف دائمًا عن القدرة على الاستمرار.

ما يكشف الحقيقة فعلًا هو الاتساق. أن يتوافق الكلام مع الفعل، وأن يظل الحضور حاضرًا، وأن تبقى الرغبة في التواصل موجودة حتى في الفترات الأقل بريقًا والأكثر واقعية.

في النهاية، ليس كل من غادر كان أقوى، وليس كل من بقي كان أضعف. أحيانًا تكون القوة الحقيقية في مواجهة المشاعر لا في الهروب منها، وفي تحمل مسؤولية القرب لا في الفرار منه. وقد يكون أكثر الناس حاجة إلى الحب هو الشخص الذي يخشاه أكثر من غيره، وأكثر الناس رغبة في الأمان هو الشخص الذي يهرب منه كلما اقترب.

لهذا يبقى التقلب العاطفي واحدًا من أكثر الوجوه تعقيدًا في العلاقات الإنسانية؛ لأنه لا يخلق مسافة بين شخصين فقط، بل يكشف معركة خفية تدور داخل إنسان لم يتعلم بعد كيف يبقى في المكان الذي اختاره قلبه.

search