الثلاثاء، 23 يونيو 2026

10:59 م

ثلاثية الأزمة في المستشفيات

تثير منظومة الرعاية الصحية في مصر كثيرًا من الجدل، خاصة عند وقوع مشكلات أو أزمات داخل المستشفيات؛ حيث تتجه أصابع الاتهام سريعًا إلى أحد الأطراف دون النظر إلى الصورة الكاملة.

وبين طبيبٍ يعمل تحت ضغطٍ هائلٍ، ومريض أهله ينتظرون خدمة سريعة ومتكاملة، ومنشأة طبية تواجه تحديات الإمكانات والموارد، تتشابك الأسباب وتتداخل المسؤوليات.

ومن ثَمَّ فإن فهم طبيعة الأزمة يتطلب قراءة موضوعية تضع كلَّ طرفٍ أمام دوره الحقيقي، بعيدًا عن الانحياز أو الأحكام المسبقة.

في البداية، دعونا نتحدث بموضوعية عن منظومة الكشف الطبي والمستشفيات.

فالطبيب الذي تخرج في كلية الطب وأتم فترة الامتياز لمدة عام أو عامين لم يدرس الخدمة الاجتماعية أو العلاقات العامة، ولم يعمل في مجال خدمة المواطنين، وبالتالي قد يفتقر إلى بعض مهارات التواصل الاجتماعي، لكنها في الأساس ليست طبيعة عمله أو دوره الرئيسي.

كما أن المصريين يميلون إلى التعامل مع الطبيب باعتباره طبيبًا نفسيًا ومعالجًا روحيًا قبل أن يكون طبيبًا معالجًا، وينتظرون منه امتلاك جميع المهارات والقدرات في آن واحد.

عزيزي القارئ كاتب هذه السطور الفقير إلى الله الراجي عفو مولاه، يرى من خلال تجربة ليست باليسيرة في القطاع الصحي، أن المشكلة تتمثل في ثلاثة أطراف رئيسية هي: “مقدم الخدمة، ومتلقي الخدمة وأهليته، ومكان تقديم الخدمة”.

الطرف الأول الطبيب

أما الطرف الأول فهو الطبيب، الذي يضطر إلى تقديم الخدمة لعدد يفوق بكثير العدد الذي ينبغي أن يتعامل معه، لذلك قد يبدو منزعجًا أو منفعلًا في بعض الأحيان، وقد يمل من تكرار شرح التشخيص لأكثر من فرد من أهلية المريض.

الطرف الثاني المريض وأهليته

أما الطرف الثاني فهو المريض وأهليته، فكيف يمكن أن يذهب مع المريض أكثر من أربعة من ذويه، على سبيل المثال، ويطلب كل منهم من الطبيب شرح الحالة بصورة منفصلة، ثم ينتظرون منه الهدوء والسكينة وكأنه يجلس على الشاطئ يتناول حبات الكاجو؟، بينما هو في خِضَم العمل داخل الطوارئ أو العيادات الخارجية، ومطلوب منه تقديم خدمةٍ دقيقةٍ وسليمةٍ لأعداد تتجاوز الحد الطبيعي. 

مهارات التواصل

عزيزي القارئ لك أن تتخيل أنه من الممكن أن يضاف إلى ذلك أنه غير مدرب على مهارات التواصل، كما أنه يفكر، شأنه شأن غيره، في كيفية توفير احتياجاته المعيشية من خلال التنقل بين شيفت ونوبتجية وأخرى داخل المستشفى؛ سعيًا وراء دخل مريح أو على الأقل دخل يسير، وهنا تتجسد المعضلة.

الطرف الثالث فهو المنشأة الطبية

أما الطرف الثالث فهي المنشأة الطبية، ودور الحكومة في توفير أماكن مناسبة للكشف والعلاج، وهي تعمل على ذلك، لكن “العين بصيرة واليد قصيرة”، ومن هنا، وعند حدوث الزحام، يقوم الطرف الثاني أحيانًا بسب الطرف الأول أو الغمز واللمز والتصوير، ما يدفع الطرف الأول إلى الاعتراض، وربما يؤدي الأمر لدى بعض الشباب إلى الاشتباك كرد فعل.

وفي المقابل، إذا كانت المنشأة الطبية مشهودًا لها بالكفاءة، فإنها تشهد ازدحامًا هائلًا، كما أننا لا نستوعب ثقافة الانتظار، حتى إذا لم تتجاوز ساعات الانتظار الست الأولى في حالات الرمد أو المسالك البولية أو الأنف والأذن. 

ربما أن المنشأة الطبية بها بعض المشاكل التي لا يلقى لها أحد بالًا وهي عصب الخدمة الطبية “الأجهزة الطبية” بما تشمله من إشاعات وتحاليل. 

لقد اعتدنا منذ الصغر على الذهاب إلى الطوارئ والكشف فورًا، دون الانشغال بأهمية الحالة أو مدى خطورتها، وربما يكون من هو أولى منها.

ومن هنا نخلص إلى أن الثقافة الصحية تحتاج إلى مراجعة، وأن علينا العمل على تثقيف أنفسنا كشعب في هذا المجال.

search