الخميس، 25 يونيو 2026

02:41 م

أشباه أحياء في منزل مهجور

لست أبًا، وأعلم يقينًا أن هذه الكلمات ستقف عاجزة على عتبة جحيم لن يدركه سوى من احترق به.

كيف لروح طفل لم يُكمل الثالثة من العمر أن تتبخر في هواء سيارة خانقة بينما تستمر الحياة بالخارج في دورتها الباردة؟ قصة للنسيان قد تجعل الموت أمنية لأحدهم.

في واحدة من أكثر الحوادث إيلامًا، نسي أب طفله الصغير داخل سيارته لساعات طويلة أثناء انشغاله بيوم عمله المعتاد، قبل أن يكتشف بعد فوات الأوان أن الصغير ظل محتجزًا داخل السيارة تحت درجات حرارة مرتفعة أودت بحياته.

في مكتبه الفاخر بالتجمع الخامس، جلس الأب مرهقًا بعدما أمضى ليلته الماضية بلا نوم، بسبب مباراة مصر ونيوزيلندا، تناول قهوته ببطء وحارب النعاس الذي أثقل جفنيه، كان حريصًا ألا يرتكب خطأً واحدًا في عمله، حريصًا لدرجة مرعبة ألا يؤثر سهره على كفاءته المهنية.

ابتسم الأب لزملائه، انشغل في توقيع الأوراق وإنجاز مهام العمل، بينما على بُعد أمتار قليلة في ساحة الانتظار، كان الأكسجين يهرب من رئة طفله تحت شمس حارقة حولت السيارة لفرن مغلق.

على جانب آخر من القاهرة، كانت الأم تمارس روتينها اليومي، رتبت المنزل وجهزت الطعام، نظرت في الساعة منتظرة عودة ابنها من الحضانة، قبل أن يقطع الصمت رنين الهاتف.

"مدام، مساء الخير، هو الولد مجاش ليه الحضانة النهاردة"؟ تجمد الدم في عروق الأم، حفنة من الأسئلة باغتتها، كيف لم يذهب؟ هل خُطف؟ هل تعرض لحادث مع والده؟

استجمعت قواها للاتصال بزوجها، "ابني راح فين، الحضانة بتقول مجاش"!

سقط الهاتف من يد الأب، لم يجب أو يقل شيئًا، دارت الدنيا برأسه واندفع نحو السلم لا يشعر بقدميه، دقات قلبه ارتفعت لتصم آذنيه، وصوت أنفاسه المتلاحقة كانت تشبه حشرجة الموت.

وصل للسيارة بينما لم يفتح الباب مباشرًا، تحركت عيناه ببطىء شديد محاولاً ألا ينظر للزجاج الخلفي خوفًا من تأكيد الكابوس، خانته عيناه ليلمح جسدًا صغيرًا بلا حراك.

فتح باب السيارة لتخرج نسمات من الهواء الساخن الخانق، ارتمى على المقعد وجذب طفله لصدره، كان الصغير قد قطع النفس تمامًا، وجسده يعاني من آثار الاختناق الشديد.

صرخ الأب صرخة مكتومة، ضغط على صدر صغيره لعله يُعيد الروح لجسده الهامد، بكى وتوسل إلى الله ولكن قد فات الأوان، كيف يُبلغ أمه الآن، كيف يقول لها "قتلت ابننا بالنسيان"؟

وقف الأب أمام موظف الصحة لاستخراج شهادة الوفاة، كتب في السطر الأخير سبب الوفاة "إسفكسيا الاختناق"، ثم عاد للمنزل من أجل مشهد الغُسل.

مسك الأب المياه بيده المرتعشة، يغسل الجسد الذي كان يداعبه قبل ساعات، لفه بالكفن الأبيض، وفي القبر المظلم حمله للمرة الأخيرة، التفت والتقت عيناه بزوجته، حملت نظرة الأم الكثير من العتاب ربما أكثر من الذهول.

بين مطرقة التعاطف وسندان الإدانة، تتأرجح أحكام المجتمع، قد يراه البعض مهمًلا يستحق أقصى العقاب، ويراه آخر ضحية لخلل عقلي مؤقت تحت وطأة الإجهاد.

لكن الحقيقة أن أحكام البشر لا قيمة لها الآن، لن يتخيل أحد درجة جحيم تعيشها أسرة لا يعلم أحد كيف ستقضي البقية من عمرها.

ربما يسير الأب في طرقات المنزل كالمجذوب، كلما مر على غرفة صغيره يقترب من الاختناق، ربما لم يجرؤ على ركوب سيارته من جديد، أو يتفادى النظر لمقعدها الخلفي الذي يبقى مسكونًا بطيف طفله المخنوق.

ربما لن تستطيع الأم النوم في فراش واحد مع رجل تعتقد بأنه كان القبر الأول لطفلها، قد يعيشان غريبين تحت سقف واحد، يقتلهما الصمت في انتظار موت حقيقي.

كان الله في عون الأب والأم، القانون قد يحكم، والمجتمع قد يدين، لكن النسيان أصدر حكمة المؤبد على عائلة ستعيش شبه أحياء في منزل مهجور.

اقرأ أيضًا:

"من النوم للموت".. اعترافات مثيرة لـ والد الطفل ضحية سيارة التجمع الخامس

"نسيه وذهب لعمله".. تفاصيل وفاة طفل داخل سيارة والده بالتجمع الخامس

 

search