الثلاثاء، 30 يونيو 2026

12:32 م

الوعي المفقود.. والثمن الذي ندفعه جميعا

أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس ارتفاع الأسعار، ولا الضغوط الاقتصادية، ولا حتى الأزمات السياسية، وإنما أن يفقد تدريجيًا قدرته على التمييز بين الصحيح والخطأ، وبين السلوك المقبول والسلوك المرفوض، وبين الحرية والفوضى. وحين يحدث ذلك، تبدأ علامات الخطر في الظهور في تفاصيل الحياة اليومية، لا في العناوين الكبرى فقط.

حين يسقط إنسان في الشارع، فيجد من يصوره أكثر ممن يساعده، فهذه ليست مشكلة هاتف محمول، وإنما مشكلة وعي. وحين تتحول المأساة الإنسانية إلى مادة للفرجة والتداول، فهذه ليست أزمة تكنولوجيا، وإنما أزمة قيم. وحين تصبح الشهرة السريعة هدفًا يبرر لدى البعض أي سلوك، فإننا نكون أمام خلل عميق في ترتيب الأولويات الإنسانية والأخلاقية.

وحين تشعر فتاة بالخوف وهي تستقل وسيلة مواصلات، أو تضطر إلى التفكير عشرات المرات قبل أن تسير وحدها في شارع أو مكان عام، فإن القضية لا تخص النساء وحدهن، بل تخص المجتمع بأكمله. لأن التحرش ليس جريمة ضد فرد، وإنما اعتداء على منظومة أخلاقية كاملة، وعلى فكرة الاحترام التي يقوم عليها أي مجتمع سليم.

المشكلة أن البعض يتعامل مع هذه الظواهر باعتبارها حوادث متفرقة، بينما الحقيقة أنها أعراض لمرض واحد، هو تراجع الوعي. فالتحرش، والتنمر، والعنف اللفظي، والاستهانة بآلام الآخرين، والاندفاع إلى التصوير بدلًا من المساعدة، كلها نتائج طبيعية لغياب التربية الثقافية والإنسانية.

ولعل ما يزيد من خطورة المشهد أن هذا التراجع لم يعد يقتصر على سلوكيات فردية عابرة، بل أصبح ينعكس على طريقة التفكير، وعلى أسلوب الحوار، وعلى طبيعة العلاقات بين الناس. فأصبح الغضب أسرع، والتسامح أقل، والقدرة على الاختلاف باحترام أكثر ندرة. وكأن المجتمع، تحت ضغوط الحياة المتراكمة، بدأ يفقد شيئًا فشيئًا بعضًا من مناعته الأخلاقية التي كانت تحميه من الانزلاق إلى الفوضى السلوكية.

ولا يمكن أن نطالب باحترام المرأة بينما يتراجع دور الأسرة في بناء الشخصية. ولا يمكن أن نطالب بالسلوك الراقي بينما تتراجع الثقافة إلى الهامش. ولا يمكن أن ننتظر مجتمعًا أكثر تحضرًا بينما يتحول التعليم عند البعض إلى مجرد سباق نحو الشهادات، بعيدًا عن دوره الحقيقي في بناء الإنسان.

لقد كانت الثقافة المصرية، عبر عقود طويلة، أحد أهم خطوط الدفاع عن المجتمع. كان الكتاب يربي الذوق، وكانت المدرسة تزرع القيم، وكان المسرح يصنع الوعي، وكانت الفنون الجادة تشكل وجدان أجيال كاملة. أما اليوم، فقد أصبح الضجيج أعلى من الحكمة، وأصبحت السطحية أكثر انتشارًا من المعرفة، وأصبح كثيرون يعرفون كل شيء عن مشاهير الإنترنت، ولا يعرفون شيئًا عن الفكر أو الأدب أو التاريخ.

ولا تكمن المشكلة في التطور التكنولوجي أو وسائل التواصل الحديثة، فهذه أدوات يمكن أن تكون نافعة وملهمة، لكنها تتحول إلى مصدر خطر حين يغيب الوعي الذي يوجه استخدامها. فالمجتمعات لا تتقدم بالأدوات وحدها، وإنما بالقدرة على استخدامها لصالح الإنسان، لا ضده. وحين يصبح السعي إلى الشهرة أهم من احترام الآخر، وحين تتحول الإساءة إلى وسيلة لجذب الانتباه، فإننا نكون أمام أزمة أخلاقية حقيقية تستحق التوقف والتأمل.

إن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، وإنما فقر الوعي. لأن المجتمع الذي يفتقد الوعي يصبح أكثر قابلية للعنف، وأكثر استعدادًا للتنمر، وأكثر ميلًا إلى الاستهانة بالإنسان وكرامته. وحين يغيب الوعي، تضعف المناعة الأخلاقية، وتصبح التجاوزات أمرًا معتادًا، بعد أن كانت استثناءً يثير الغضب والرفض.

ولذلك، فإن مواجهة التحرش لا تبدأ من العقوبة وحدها، رغم ضرورتها، وإنما تبدأ من المدرسة، ومن الأسرة، ومن الكتاب، ومن المسرح، ومن الإعلام المسؤول. ومواجهة التنمر لا تبدأ من مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تبدأ من بناء إنسان يعرف معنى الاحترام. ومواجهة التراجع السلوكي لا تبدأ بالشكوى والغضب فقط، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار للثقافة والتعليم.

إن استعادة الوعي ليست مهمة جهة واحدة، وليست مسؤولية مؤسسة بعينها، وإنما هي مشروع مجتمعي متكامل. مشروع يبدأ من البيت، حيث يتعلم الطفل معنى الرحمة والاحترام، ويمر بالمدرسة التي تصنع العقل، ويصل إلى الإعلام والثقافة والفنون التي تشكل الوجدان العام. فلا يمكن أن نطالب بمجتمع أفضل، بينما نتخلى عن الأدوات التي تصنع الإنسان نفسه.

إن الأمم لا تنهض بالمباني وحدها، ولا بالمشروعات وحدها، مهما كانت أهميتها، وإنما تنهض حين تستثمر في عقل الإنسان ووجدانه. فبناء الوعي ليس رفاهية، بل ضرورة وجود. والثقافة ليست نشاطًا إضافيًا، بل حماية للمجتمع. والتعليم ليس مجرد وسيلة للعمل، بل مشروع لصناعة المواطن.

وما زال المجتمع المصري يمتلك رصيدًا هائلًا من القيم والإنسانية والشهامة، وهو رصيد تراكم عبر قرون طويلة من التجارب والتحديات. لكن هذا الرصيد، مهما كان كبيرًا، يحتاج إلى حماية وتجديد دائمين. لأن القيم لا تموت فجأة، وإنما تضعف حين نهملها، والوعي لا يختفي دفعة واحدة، وإنما يتراجع حين نتوقف عن الاهتمام به.

ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست هاتفًا محمولًا، ولا تطبيقًا إلكترونيًا، ولا ظاهرة اجتماعية منفردة. القضية الحقيقية هي سؤال واحد: هل ما زلنا نمنح الوعي والثقافة والتعليم المكانة التي يستحقونها؟

فإذا كانت الإجابة لا، فعلينا ألا نتعجب من أي ظاهرة تؤلمنا، لأن المجتمعات التي تهمل بناء الإنسان، تدفع الثمن دائمًا. أما المجتمعات التي تحمي العقل، وتحترم الثقافة، وتعيد للتعليم رسالته، فإنها تملك دائمًا القدرة على تصحيح مسارها، واستعادة أفضل ما فيها. فالأوطان لا تسقط فجأة، وإنما تتراجع حين يتراجع وعي أبنائها، وتنهض من جديد حين يقرر هؤلاء الأبناء أن يعيدوا للعقل مكانته، وللقيم احترامها، وللإنسان إنسانيته.

رابط مختصر

تابعونا على

search