الإثنين، 10 أغسطس 2026

02:47 م

مسؤولية تاريخية لإعادة هيبة الصحافة والإعلام

لم تعد ظاهرة انتحال صفة الصحفي أو الإعلامي مجرد تصرف فردي يمكن تجاوزه بالصمت أو الاكتفاء بالاستنكار، فالمسألة أصبحت أخطر من ذلك بكثير. نحن أمام ظاهرة تمس هيبة مهنة من أهم المهن التي تقوم عليها المجتمعات، وتضرب ثقة الناس في الإعلام، وتساوي بصورة غير عادلة بين من اختار الصحافة والإعلام مهنة وحياة، وبين من قرر في لحظة أن يمنح نفسه لقبًا لم يحصل عليه بالقانون ولا بالعمل ولا بالخبرة.

الصحفي ليس مجرد شخص يحمل هاتفًا ويكتب منشورًا، والإعلامي ليس كل من وقف أمام كاميرا أو أدار حوارًا على منصة إلكترونية. الصحافة والإعلام مهنتان لهما قواعدهما وضوابطهما وأخلاقياتهما ومسؤولياتهما، ومن يمارسهما يتحمل قبل أي شيء مسؤولية الكلمة وتأثيرها في المجتمع.

لكن ما يحدث الآن يفرض سؤالًا لا يمكن الهروب منه: من يحمي المهنة من الذين ينتحلون صفتها؟
السؤال موجه بوضوح إلى نقابة الصحفيين ونقابة الإعلاميين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، كل في حدود اختصاصه، لأن حماية المهنة ليست مسؤولية الصحفي أو الإعلامي وحده، وإنما مسؤولية المؤسسات التي وجدت أساسًا لتنظيمها وحماية العاملين فيها والحفاظ على صورتها أمام المجتمع.
المشكلة ليست في المواطن الذي ينشئ صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي أو يقدم محتوى أو يعبر عن رأيه، فهذا حق لا خلاف عليه. المشكلة تبدأ عندما يتحول الأمر إلى انتحال صفة مهنية، فيكتب شخص أمام اسمه "صحفي" أو "إعلامي"، ويستخدم هذه الصفة في التعامل مع مؤسسات أو مسؤولين أو مواطنين، وربما يسعى من خلالها إلى الحصول على معلومات أو امتيازات أو دخول أماكن أو إجراء مقابلات، بينما لا يحمل أي سند قانوني أو مهني يتيح له ذلك.

وهنا لا يصبح الأمر مجرد لقب مكتوب على حساب إلكتروني، وإنما يتحول إلى إساءة مباشرة للمهنة وتهديد لسمعة العاملين فيها.
والأخطر أن بعض منتحلي الصفة يستغلون ضعف معرفة الجمهور بحدود المهن الإعلامية والصحفية، فيقدمون أنفسهم بصورة توحي بأنهم يمثلون مؤسسة أو جهة إعلامية، بينما الحقيقة غير ذلك. وقد تكون النتيجة أن يتعرض مواطن للخداع، أو تتضرر مؤسسة، أو يتم تداول معلومات غير دقيقة باسم الصحافة والإعلام.

وهنا يجب أن يكون التحرك حاسمًا.

نقابة الصحفيين مطالبة بأن تواصل حماية لقب الصحفي، وأن تتعامل مع انتحال الصفة باعتباره اعتداءً على المهنة قبل أن يكون مجرد مخالفة تخص شخصًا بعينه. فكل شخص ينتحل صفة صحفي يسيء، بصورة أو بأخرى، إلى آلاف الصحفيين الذين بنوا أسماءهم بالعمل والتعب والالتزام المهني.
وكذلك نقابة الإعلاميين مطالبة بأن يكون لها حضور قوي في مواجهة من يقدمون أنفسهم للجمهور باعتبارهم إعلاميين أو مذيعين أو مقدمي برامج دون أن تكون لهم الصفة القانونية التي تخول لهم ممارسة هذه المهنة.

أما المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فعليه مسؤولية مهمة في ضبط المشهد الإعلامي، خصوصًا في ظل الانتشار الهائل للمنصات الرقمية والمواقع والحسابات التي أصبحت قادرة على صناعة تأثير واسع خلال ساعات. فالفوضى الرقمية لا تعني إلغاء القواعد المهنية، وحرية النشر لا تعني أن يصبح لقب الصحفي أو الإعلامي متاحًا لكل من يريد استخدامه.

المطلوب ليس التضييق على حرية التعبير، ولا ملاحقة أصحاب الآراء، ولا منع الناس من صناعة المحتوى، وإنما وضع حد فاصل وواضح بين المواطن الذي يمارس حقه في التعبير وبين من يقدم نفسه على أنه صاحب صفة مهنية ليست له.
فعدد المتابعين لا يصنع صحفيًا، وملايين المشاهدات لا تمنح صاحبها تلقائيًا لقب إعلامي، وامتلاك كاميرا أو ميكروفون لا يجعل من صاحبه مذيعًا.
المهنة لها أبوابها، والصفة لها شروطها، والمسؤولية تسبق اللقب.
كما أن المؤسسات الحكومية والخاصة مطالبة بدورها بعدم التعامل مع أي شخص باعتباره صحفيًا أو إعلاميًا إلا بعد التحقق من صفته. فجزء كبير من المشكلة يأتي من التساهل في التعامل مع بطاقات أو مسميات لا يعرف أحد مدى صحتها.
والحقيقة أن الصحفي والإعلامي الحقيقي لا يخشى التنظيم، بل يحتاج إليه. لأنه أول من يدفع ثمن الفوضى عندما تختلط صفته بغيره، وعندما يصبح الجمهور عاجزًا عن التمييز بين من يمارس المهنة بصورة قانونية ومهنية، وبين من يضع اللقب على اسمه لمجرد تحقيق مصلحة شخصية.
لقد آن الأوان لأن تتوقف المجاملة في هذه المسألة. حماية المهنة لا تعني حماية أشخاص بعينهم، وإنما حماية قواعدها وهيبتها وسمعة العاملين فيها.
ومن الضروري أن تكون هناك آليات واضحة وسريعة لتلقي الشكاوى المتعلقة بانتحال الصفة، والتحقق منها، والتنسيق مع الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية تجاه من يثبت تورطه، مع توعية المؤسسات والجمهور بكيفية التأكد من الصفة المهنية.
فاللقب المهني ليس وجاهة اجتماعية، وليس وسيلة للحصول على تسهيلات، وليس بطاقة مرور إلى مصالح خاصة. الصحفي والإعلامي يحملان مسؤولية أمام المجتمع، وكل من يستخدم الصفة دون حق يسيء إلى هذه المسؤولية.
إن مواجهة منتحلي الصفة ليست معركة ضد التكنولوجيا ولا ضد مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما هي معركة من أجل احترام المهنة في زمن أصبحت فيه الحدود بين الحقيقي والمزيف أكثر ضبابية.
ولذلك، فإن الرسالة يجب أن تكون واضحة: من حق كل مواطن أن يكتب ويتحدث ويصور ويعبر عن رأيه، لكن ليس من حق أحد أن ينتحل صفة ليست له.
الصحافة ليست لقبًا، والإعلام ليس استعراضًا، والمهنة ليست بابًا مفتوحًا لكل من يريد أن يضع أمام اسمه كلمة تمنحه نفوذًا لا يستحقه.
نقابتا الصحفيين والإعلاميين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أمام مسؤولية حقيقية في هذه المواجهة، لأن حماية الصفة المهنية اليوم تعني حماية ثقة المواطن غدًا، وحماية اسم كل صحفي وإعلامي حقيقي من أن يختلط بمن اختاروا الطريق الأسهل: أن يمنحوا أنفسهم صفة لم يمنحها لهم القانون ولا المهنة.

رابط مختصر

تابعونا على

search