الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026

09:24 ص

الفنان المصري.. جندي في معركة الوعي

هناك معارك لا تُسمع فيها أصوات الرصاص، ولا تُرى فيها الدبابات، ولا تُرفع فوق ساحاتها رايات الحرب، لكنها قد تكون أشد خطرًا من الحروب التقليدية، لأنها تستهدف الإنسان من الداخل، وتدخل إلى عقله من أبواب لا ينتبه إليها، وتعيد تشكيل أفكاره ومشاعره وموقفه من وطنه ومجتمعه. إنها معركة الوعي، وفي قلب هذه المعركة يقف الفنان المصري، لا باعتباره صاحب بندقية، وإنما باعتباره صاحب كلمة وصورة ولحن وحكاية قادرة على الوصول إلى ملايين الناس، والتسلل إلى وجدانهم بهدوء، ثم البقاء فيه سنوات طويلة.

الفنان المصري لم يكن يومًا مجرد شخص يقف أمام الكاميرا أو فوق خشبة المسرح أو خلف ميكروفون. تاريخ مصر الحديث يقول إن الفن كان دائمًا جزءًا من حكاية الوطن، وإن الأغنية والسينما والمسرح والدراما لم تكن مجرد وسائل للترفيه، وإنما كانت في لحظات كثيرة مرآة للمجتمع، ولسانًا للناس، وسجلًا لمخاوفهم وأحلامهم وانتصاراتهم وانكساراتهم. وربما لهذا السبب تحديدًا كان الفن المصري حاضرًا في ذاكرة أجيال كاملة، حتى إن بعض الأغنيات والمشاهد والشخصيات أصبحت جزءًا من تكوين الإنسان المصري، لا يستطيع أن يفصلها عن مراحل عمره أو عن صورة الوطن في وجدانه.

وحين نتحدث عن مواجهة التطرف، فإننا لا نتحدث فقط عن مواجهة فكرة متطرفة بفكرة أخرى، وإنما عن معركة طويلة من أجل حماية الإنسان من الوقوع في أسر خطاب يختزل الحياة في الكراهية، ويحوّل الاختلاف إلى عداوة، ويجعل العنف طريقًا، والآخر عدوًا لمجرد أنه مختلف. وهنا يستطيع الفن أن يفعل ما تعجز عنه الخطب أحيانًا، لأن العمل الفني لا يقف أمام الإنسان ليأمره بما يجب أن يفكر فيه، وإنما يضع أمامه حكاية تجعله يرى النتائج بعينيه، ويشعر بالخطر بقلبه، ويتأمل مصير الشخصيات التي صدقت الوهم وسارت خلفه.
وكم من مشهد درامي استطاع أن يفتح نافذة في عقل مشاهد لم تكن عشرات المقالات قادرة على فتحها، وكم من شخصية فنية جعلت الناس يكتشفون قبح التعصب دون أن ترفع صوتها عليهم، وكم من أغنية أعادت إلى النفوس شيئًا من الأمل في لحظة كان فيها اليأس أكثر انتشارًا من الكلام. هذه هي قوة الفن الحقيقية، أنه لا يقتحم الوعي اقتحامًا، وإنما يدخل إليه من باب المشاعر، وحين يصل إلى القلب يصبح أكثر قدرة على البقاء.
والشائعات أيضًا واحدة من أخطر المعارك التي يخوضها المجتمع في زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من الحقيقة، وأصبح الخبر الكاذب قادرًا على الانتشار في دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت طويل حتى تلحق به. وفي هذه المساحة يستطيع الفنان أن يكون صوتًا للعقل، لا بأن يتحول إلى مذيع أو محقق، وإنما بأن يرفض أن يكون جزءًا من ماكينة التشويه، وأن يدرك أن إعادة نشر الأكاذيب، أو السخرية من الناس، أو صناعة الإثارة على حساب الحقيقة، قد تترك جرحًا في مجتمع بأكمله.
ولذلك فإن مسؤولية الفنان لا تبدأ فقط عندما يتحدث عن الوطن صراحة، وإنما تبدأ من اختياراته نفسها، من الشخصية التي يقدمها، والحكاية التي يرويها، والقيمة التي يمنحها للبطولة، والصورة التي يرسمها للمجتمع. فحين يصبح الشر هو النموذج الأكثر جاذبية، والعنف طريقًا سهلًا إلى الشهرة، والاستهانة بالقيم نوعًا من البطولة، فإن الفن قد يتحول من قوة لبناء الوعي إلى أداة لتفريغه. أما حين يمنح الإنسان مساحة للتأمل، ويقدم نماذج للرحمة والشجاعة والانتماء والمسؤولية، فإنه يؤدي دوره الحقيقي من دون أن يرفع لافتة تقول إنه يؤدي دورًا وطنيًا.
وليس المطلوب من الفنان أن يكون معصومًا من الخطأ، ولا أن يتحول كل عمل فني إلى درس في الوطنية، فالفن الذي يفقد حريته يفقد جزءًا من روحه، والنقد حق، والاختلاف حق، وحرية الإبداع ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتقدم. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين حرية التعبير وبين العبث بالوعي، وبين النقد المسؤول وبين نشر الكراهية، وبين الجرأة الفنية وبين تحويل الفن إلى وسيلة لهدم كل قيمة أو تشويه كل رمز أو السخرية من كل ما يجمع المصريين.
لقد تغيرت أدوات المعركة، ولم يعد التأثير مقصورًا على شاشة السينما أو التلفزيون. الهاتف المحمول أصبح شاشة مفتوحة، والمنصات الرقمية أصبحت مسارح ضخمة، والمحتوى القصير قد يصل إلى ملايين الناس قبل أن يستوعب أحد أثره. ولذلك أصبح الفنان أمام مسؤولية أكبر، لأن ما يقوله أو يقدمه قد يعبر الحدود في لحظات، وقد يصل إلى طفل أو شاب في مرحلة تتشكل فيها رؤيته للعالم. وهذه المسؤولية لا تعني الوصاية على الفنان، وإنما تعني إدراك قوة ما يمتلكه من تأثير.
الفن المصري كان دائمًا واحدًا من أهم وجوه القوة الناعمة لمصر. فمن القاهرة خرجت الأغنية التي حفظتها الشعوب، ومنها انطلقت السينما التي شاهدها العرب، ومنها خرجت الدراما التي عاشت بها أجيال حكايات الحب والأسرة والوطن والشارع المصري. ولذلك فإن الحفاظ على هذا الدور ليس ترفًا ثقافيًا، وإنما جزء من الحفاظ على صورة مصر ومكانتها وذاكرتها.
هنا تتجلى الحقيقة الأهم، قد يحمل الجندي سلاحه دفاعًا عن حدود الوطن، بينما يحمل الفنان كلمته دفاعًا عن حدوده الداخلية، عن عقل الإنسان، وعن وجدانه، وعن قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الاختلاف والكراهية، وبين الحرية والفوضى. كلاهما يؤدي دوره بطريقته، والميادين مختلفة، لكن الهدف واحد، أن يبقى الوطن قادرًا على حماية نفسه، ليس فقط ممن يريدون النيل من أرضه، وإنما ممن يحاولون اختطاف وعي أبنائه. ولهذا فإن الفنان المصري، حين يعرف قيمة ما يقدمه، لا يكون مجرد صانع للترفيه، وإنما يصبح جنديًا في معركة الوعي، جنديًا لا يحمل سلاحًا في يده، وإنما يحمل شيئًا ربما كان أبقى أثرًا من السلاح كله، كلمة تصل إلى القلب، وصورة تستقر في الذاكرة، وحكاية تجعل الإنسان يرى وطنه بعين أكثر وعيًا وانتماءً.

search