الخميس، 27 أغسطس 2026

02:54 ص

دخلتي المكان الخطأ يا دكتورة.. هنا "تليجراف مصر"

هناك أشياء في الصحافة يمكن أن نختلف حولها، وأشياء يمكن أن نناقشها، وأشياء يمكن أن نردّ عليها، لكن هناك شيئًا واحدًا لا يحتمل الفهلوة: مجهود الناس. تستطيعين أن تختلفي مع التحقيق، أن تنتقديه، أن تكتبي تحقيقًا أفضل منه، بل تستطيعين أن تقولي إن صاحبته أخطأت، لكن أن تمدي يدك إلى عمل صحفي صنعته غيرك ثم تتعاملي معه وكأن صاحبته مجرد تفصيلة يمكن تجاوزها، فهنا يصبح الأمر أكبر من اختلاف في وجهات النظر، ويصبح السؤال عن أبسط قواعد المهنة. 

ولهذا أقول للدكتورة هناء السيسي: عيب يا دكتورة.. عيب. أنتِ لم تدخلي هذه المرة إلى قصة عادية، وإنما دخلتِ ــ بحسب ما أثير ــ على تحقيق صحفي صنعته شيماء عبد العال ونشره موقع “تليجراف مصر”، تحقيق فتح ملفًا شديد الحساسية حول استغلال فتيات فقيرات وتزويجهن من رجال خليجيين كبار السن، وما يرتبط بذلك من وقائع خطيرة وشبهات اتجار بالبشر واستغلال للفقر. شيماء لم تستيقظ ذات صباح فتجد التحقيق على مكتبها، ولم تفتح هاتفها فتجد المعلومات قد وصلت إليها بالبريد السريع. هناك جهد وبحث ومصادر وتقصٍّ ومسؤولية، وفي النهاية خرج العمل باسم صاحبته ومن خلال مؤسسة صحفية محترمة.

وهنا تظهر المشكلة. إذا أردتِ تناول القضية، فالأبواب مفتوحة. إذا أردتِ التعليق عليها، تفضلي. إذا أردتِ انتقاد التحقيق، هذا حقك. إذا أردتِ فتح ملف جديد، فكل ملفات مصر مفتوحة أمام الصحفيين.

لكن أن يكون الطريق إلى الظهور هو مجهود صحفية أخرى، فهنا أقول لك: أنتِ اخترتِ الطريق الخطأ. بل أكثر من ذلك، اخترتِ المكان الخطأ. لقد دخلتِ في حيطة سد مع سامي عبد الراضي.

وأقولها وأنا أعرف سامي جيدًا، وبيننا صداقة واحترام، ولذلك أعرف أنه ليس من النوع الذي يترك حق مؤسسته أو حق صحفي يعمل تحت مظلتها يضيع بسهولة. ومن هنا فإنني أقول لك بكل وضوح: دخلتِ في حيطة سد يا دكتورة.

فالعمل الذي خرج من “تليجراف مصر” ليس ورقة مجهولة ملقاة على رصيف، ولا منشورًا بلا صاحب، ولا مادة يمكن لمن يعثر عليها أن يضع عليها اسمه ثم يواصل طريقه. هناك مؤسسة وراءه، وهناك رئيس تحرير يعرف جيدًا كيف تُصنع الصحافة، وهناك صحفية اسمها شيماء عبد العال دفعت من وقتها وجهدها حتى خرج التحقيق إلى الناس، وهناك أرشيف لا يعرف المجاملات. وهنا تبدأ الحيطة السد. لأنك حين دخلتِ في عمل شيماء، لم تدخلي على صحفية تعمل في فراغ، وإنما دخلتِ على مؤسسة لها اسمها، ولها قيادة، ولها تاريخ مهني، ولها من يعرف قيمة ما ينشر فيها.

والمفارقة أن لقب “الدكتورة” يجعل المسألة أكثر غرابة. عيب يا صاحبة رسالة الماجستير والدكتوراه، والتي لا أعلم عنها شيئًا. وأقولها تحديدًا بهذه الصيغة لأنني لا أريد أن أتهمك في شهاداتك أو رسائلك العلمية من دون دليل، فهذا ليس من حق أحد. لكنني أريد أن أسألك سؤالًا بسيطًا جدًا: ماذا تعلمنا الشهادات العلمية إن لم تعلمنا احترام صاحب المجهود؟ البحث العلمي نفسه قائم على فكرة واضحة: هذا مصدر، وهذا صاحب فكرة، وهذا جهد سابق، وهذا ما أضفته أنا. فكيف يصبح احترام صاحب المجهود مهمًا في قاعة الجامعة، ثم يصبح فجأة تفصيلًا صغيرًا عندما نخرج إلى الصحافة؟ عيب يا دكتورة.
شيماء عبد العال لم تأخذ تحقيقًا من أحد، لم تجلس في انتظار أن ينتهي الآخرون، ولم تبحث عن مادة جاهزة. هي صنعت قصتها، و"تليجراف مصر" نشرتها، والنتيجة أن التحقيق خرج إلى الناس ولفت الانتباه إلى قضية خطيرة. وهنا التحية واجبة لـ"تليجراف مصر" وللكاتب الصحفي سامي عبد الراضي، ليس لأنهما يحتاجان إلى شهادة مني، وإنما لأن المؤسسة التي تعطي صحفيًا شابًا فرصة حقيقية لإنتاج تحقيق بهذا الحجم تستحق أن تُحترم. الصحافة لا تُقاس فقط بالأسماء الكبيرة. الصحافة تُقاس أيضًا بقدرتها على صناعة أسماء جديدة. وشيماء واحدة من هذه الأسماء.

أما من يريد أن ينافسها، فالمنافسة سهلة جدًا. اكتبي تحقيقًا آخر يا دكتورة. اكتشفي قضية جديدة. اذهبي إلى مكان لم تذهب إليه شيماء. أحضري معلومة لا يعرفها أحد. اكتبي تحقيقًا يجعل شيماء نفسها تقول لك: أحسنتِ. هكذا تكون المنافسة. أما أن تجدي عملًا جاهزًا، ثم تحاولي أن تركبي فوقه، فهذه ليست صحافة، وإنما محاولة للركوب على سيارة تحركت بالفعل. والسيارة هذه المرة ليست واقفة في الطريق. السيارة ماشية، والقائد هو سامي عبد الراضي.

ولهذا قلت إنك دخلتِ في حيطة سد. لأنك لم تختاري خصمًا صحفيًا يبحث عن معركة شخصية، وإنما مؤسسة تعرف ما نشرته، وصحفية تعرف ما صنعت، وأرشيفًا يحتفظ بكل شيء. والأهم أنك اصطدمت بشيء لا تستطيعين إعادة صياغته: الحقيقة. أنا لا أريد أن أحوّل الموضوع إلى خناقة شخصية، ولا أريد أن أصنع من هناء السيسي بطلة شريرة في حكاية صحفية. الموضوع أبسط من ذلك وأخطر في الوقت نفسه: هناك مجهود يجب أن ينسب إلى صاحبه.
فإذا كان ما أثير غير صحيح، فليكن الرد واضحًا، وتنتهي القصة. أما إذا كان صحيحًا، فالأفضل الاعتراف بالخطأ بدل البحث عن مخارج لغوية. فالاعتذار لا يُنقص أحدًا. لكن سرقة مجهود الآخرين ــ إن ثبتت- لا تصبح فضيلة لأن صاحبها يحمل لقبًا كبيرًا.

وفي النهاية، أقول لشيماء: لا تضيّعي وقتك في مطاردة من حاول أن يقف على كتفك. عودي إلى مكتبك. افتحي ملفًا جديدًا. وابدئي تحقيقًا آخر. فأنتِ تملكين أهم شيء في هذه المهنة: القدرة على العمل. وأقول للدكتورة هناء مرة أخرى: عيب يا دكتورة. لقد دخلتِ في المكان الخطأ، ومع الشخص الخطأ، وفي المؤسسة الخطأ. دخلتِ في حيطة سد مع سامي عبد الراضي.