الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026

08:36 ص

المثقف الذي كان يغيّر المجتمع.. والمؤثر الذي يغيّر الترند

لم تكن الثقافة في زمن بعيد مجرد مهنة يمارسها صاحبها، ولا لقبًا يضعه الإنسان قبل اسمه، وإنما كانت مسؤولية اجتماعية وأخلاقية، كان المثقف يعرف أن الكلمة ليست زينة، وأن الكتاب ليس مجرد أوراق، وأن المقال قد يفتح نافذة في جدار مغلق، وأن المسرح والسينما والأغنية يمكن أن تكون جميعها أدوات لإعادة تشكيل وعي الناس. 

كان المثقف يدخل إلى المجال العام محمّلًا بسؤال أكبر من ذاته: ماذا يستطيع أن يضيف إلى مجتمعه؟ ولذلك كانت قيمة المثقف تقاس بما يتركه من أثر في العقل والوجدان، لا بعدد المرات التي يظهر فيها على الشاشات.

أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة جذرية، لم تعد صناعة التأثير حكرًا على الكاتب أو المفكر أو الفنان أو الصحفي. ظهر المؤثر، وأصبح يمتلك قدرة هائلة على الوصول إلى الناس، وربما إلى ملايين منهم في لحظة واحدة. 

لم يعد يحتاج إلى كتاب أو صحيفة أو منبر ثقافي كي يسمعه الآخرون، يكفيه هاتف، وكاميرا، ومنصة، وقدر من الجرأة، وأحيانًا قدر أقل من المعرفة. 

وهنا لا تكمن المشكلة في ظهور المؤثر، فالتكنولوجيا ليست عدوًا للثقافة، والمنصات الرقمية يمكن أن تكون أدوات عظيمة لنشر المعرفة، وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول الوصول إلى الناس إلى بديل عن امتلاك شيء يستحق أن يقال لهم.

كان المثقف يقيس نجاحه بما يتركه من أثر في العقل، بينما أصبح بعض المؤثرين يقيسون نجاحهم بعدد المشاهدات والإعجابات والتعليقات. 

الأول كان يريد أن يغير فكرة، والثاني قد يكتفي بأن يغير قائمة الترند، وهذا فارق أكبر مما يبدو، لأن الفكرة التي تغير مجتمعًا تحتاج إلى وقت، بينما الترند يحتاج إلى ساعات. 

الكتاب الذي يعيد تشكيل وعي جيل قد يحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجه، بينما الفيديو الذي يحصد ملايين المشاهدات قد يختفي من الذاكرة بعد أيام، وربما بعد ساعات.

لقد تغيرت طبيعة الزمن نفسه، في الماضي كان القارئ ينتظر صدور الكتاب أو المجلة، ويقرأ، ويتأمل، ويعود إلى الصفحة، ويختلف مع الكاتب، ثم يحمل الفكرة معه إلى الحياة. 

أما اليوم فقد أصبح المحتوى يمر أمام العين بسرعة تكاد تمنع العقل من الإمساك به. خبر، ثم صورة، ثم فيديو، ثم تعليق، ثم قضية جديدة، حتى أصبح العقل نفسه يعيش في حالة من المطاردة المستمرة.

وفي هذه البيئة، صار الصخب أكثر قدرة على المنافسة من العمق، وأصبحت الجملة المثيرة أسرع انتشارًا من الفكرة العميقة، والعنوان الصادم أكثر جذبًا من المقال الذي يحتاج إلى قراءة متأنية.

المشكلة إذن ليست أن المؤثر يتحدث إلى الجمهور، وإنما في أن الخطاب العام أصبح في بعض الأحيان يبحث عن الإنسان الذي يستطيع أن يجذب الانتباه، لا الإنسان الذي يستطيع أن يضيف إلى الوعي. 

وهنا يجب أن نسأل: هل عدد المتابعين معيار للمعرفة؟ بالطبع لا، قد يكون الإنسان مشهورًا لأنه موهوب في صناعة المحتوى، أو لأنه يمتلك شخصية جذابة، أو لأنه يعرف كيف يقدم نفسه، وهذه كلها مهارات تستحق التقدير، لكن الشهرة لا تمنح صاحبها تلقائيًا صفة الخبير، كما أن القدرة على التأثير لا تعني بالضرورة امتلاك الحقيقة.

لقد أصبحنا أمام ظاهرة تستحق التأمل: شخص قد يتحدث في الطب صباحًا، وفي الاقتصاد ظهرًا، وفي السياسة مساءً، وفي التربية ليلًا، وكأن الإنسان يستطيع أن يصبح خبيرًا في كل شيء بمجرد امتلاكه كاميرا واتصالًا بالإنترنت.

وفي المقابل، قد يجلس عالم أو أستاذ جامعي أو كاتب متخصص أمام ورقة بيضاء ساعات طويلة حتى يكتب فقرة واحدة، بينما يستطيع آخر أن يصنع في دقيقة واحدة محتوى يحقق ملايين المشاهدات.

وهذه ليست مقارنة بين شخصين، وإنما بين منطقين مختلفين لصناعة التأثير، منطق يرى أن التأثير نتيجة للمعرفة والعمل والتجربة، ومنطق آخر قد يرى أن التأثير هو القدرة على جذب الانتباه بأي وسيلة.

لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول المثقف إلى بطل معصوم، ولا المؤثر إلى خصم دائم. فبين المثقفين من أغلق على نفسه أبواب المجتمع، وكتب بلغة لا يفهمها أحد، وتحول إلى نخبة تتحدث إلى نخبة، وبين المؤثرين من أدرك أن امتلاك المنصة يعني امتلاك مسؤولية، فقدم معرفة حقيقية، واحترم عقل جمهوره، ورفض أن يحول الناس إلى مجرد أرقام في شاشة الإحصاءات. 

ولذلك فإن المسألة ليست في المنصة، وإنما في ماذا نفعل بالمنصة، وما الذي نضعه في عقول الناس من خلالها.

قد يكون المؤثر أكثر تأثيرًا من المثقف التقليدي، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، لكن السؤال الأهم: ماذا يفعل بهذا التأثير؟ هل يجعل الناس أكثر معرفة أم أكثر انفعالًا؟ هل يدفعهم إلى التفكير أم إلى التقليد؟ هل يفتح أمامهم أسئلة جديدة أم يقدم لهم إجابات جاهزة؟ هل يحترم عقولهم أم يتعامل معهم باعتبارهم جمهورًا قابلًا للاستهلاك؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد قيمة التأثير، وليس حجم الجمهور وحده.

ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس معركة بين المثقف والمؤثر، وإنما مصالحة بين الثقافة والتكنولوجيا. 

نحن بحاجة إلى مثقف يعرف كيف يستخدم المنصة الحديثة، وإلى مؤثر يدرك أن الجماهير ليست مجرد أرقام، وإنما عقول وضمائر ومسؤوليات.

نحتاج إلى أن تنتقل الثقافة من برجها العاجي إلى الشاشة دون أن تفقد قيمتها، وأن ينتقل المؤثر من منطق «ماذا يريد الجمهور أن يسمع؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا يحتاج الجمهور أن يعرف؟».

فليس كل ما يحقق المشاهدة يستحق المشاهدة، وليس كل ما يصنع ضجة يصنع وعيًا. قد يحقق محتوى تافه ملايين المشاهدات، بينما تمر فكرة عظيمة في هدوء دون أن تجد طريقها إلى الترند، لكن قيمة الفكرة لا تتحدد بحجم الضجيج الذي صاحبها. فالترند بطبيعته عابر، أما الوعي فبطيء، لكنه أكثر رسوخًا وقدرة على تغيير الإنسان.

لقد كان المثقف في الماضي يحاول أن يغير المجتمع، وربما استغرق ذلك عمرًا كاملًا، أما اليوم فالمؤثر يستطيع أن يغير مزاج المجتمع في ساعات.

وهنا تكمن القوة والخطر معًا. فإذا كان الماضي قد منح المثقف منبرًا، فقد منح الحاضر المؤثر ملايين المنابر، وأصبح كل هاتف تقريبًا منصة محتملة، وكل مستخدم قادرًا على أن يكون صانعًا للمحتوى ومشاركًا في تشكيل الرأي العام.

لكن السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه هو: ماذا سنقول من فوق هذه المنابر؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع ليس أن يختفي المثقف، ولا أن يظهر المؤثر، وإنما أن يصبح الترند هو الثقافة الوحيدة التي يعرفها الناس، وأن يصبح عدد المشاهدات هو المقياس الوحيد لقيمة الأفكار.

في النهاية، المعركة الحقيقية ليست بين المثقف والمؤثر، وإنما بين المحتوى الذي يستهلك الإنسان، والمحتوى الذي يصنع الإنسان. فالكلمة التي تصنع وعيًا قد لا تصنع ترندًا، لكنها قد تصنع إنسانًا، والإنسان الواعي هو وحده القادر على صناعة مجتمع أكثر نضجًا.

ولهذا لا نحتاج إلى أن نعيد المثقف القديم إلى منصته القديمة، ولا أن نطرد المؤثر من منصته الجديدة، وإنما نحتاج إلى أن نسأل كل من يملك منبرًا، مهما كان حجمه: هل تستخدم تأثيرك لتصنع ضجيجًا، أم لتصنع وعيًا؟.

فالمشاهدة تُنسى، والترند ينتهي، أما الفكرة الحقيقية فقد تعيش طويلًا بعد أن يهدأ كل شيء.