الثلاثاء، 30 يونيو 2026

08:10 م

ملحمة الدفاع الجوي الأسطورية.. الفريق ياسر الطودي يكشف أسرار أسبوع تساقط "الفانتوم" الإسرائيلي الذي أجبر العدو على الاستسلام (حوار)

الفريق ياسر الطودي قائد قوات الدفاع الجوي

الفريق ياسر الطودي قائد قوات الدفاع الجوي

هناك أيام في تاريخ الشعوب لا تمر عابرة، بل تقف عندها الأرض إجلالاً تقديراً لرجالها الأبطال، ومن بين هذه الأيام العظيمة، يسطع يوم 30 يونيو عام 1970 في تاريخ العسكرية المصرية، كأحد أهم الأيام الشاهدة على الملاحم والبطولات.

كان هذا اليوم بمثابة اللحظة التاريخية الفاصلة التي استردت فيها السماء المصرية كرامتها وكبرياءها بالكامل، في تلك الساعات، صمت غرور الطائرات الإسرائيلية، وتهاوت أسطورة "الذراع الطولى" لجيش الاحتلال الإسرائيلي التي كانت تظن أنها لا تُقهر أبدًا.

تلاشت أوهام العدو الإسرائيلي تماماً تحت وطأة حائط الصواريخ الذي شيده رجال أوفياء لم يعرفوا المستحيل، وأثبت هؤلاء الأبطال للعالم أجمع عقيدتهم الصلبة التي صاغها القائد في كلماته قائلاً: "إن السيطرة على المجال الجوى... عقيدةُ راسخةٌ... وضمانةُ لنصرٍ مُبين".

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.46 PM

لم يكن حائط الصواريخ مجرد كتل جامدة من الخرسانة والحديد، بل كان جداراً حياً من لحم ودم، بناه أجداد وآباء واجهوا الموت بكل شجاعة لتعيش مصر، واستشهدوا لتظل السماوات حرة عاصية على كل طامع.

بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ56 لهذا العيد المجيد، التقى الفريق ياسر الطودي، قائد قوات الدفاع الجوي، في لقاء صحفي بمحرري الإعلام العسكري؛ ليفتح قلبه وعقله في حديث يملؤه الفخر والاعتزاز عن الماضي المجيد والحاضر المتطور والمستقبل المصان بقوة العلم والإيمان.

استهلّ قائد قوات الدفاع الجوي كلمته بسلام خاشع ونبيل على أرواح شهدائنا الأبرار، أولئك الذين ارتقت أرواحهم الطاهرة في ساحات الشرف دفاعاً عن الأرض والعرض والكرامة الوطنية، معاهداً الرواد الأوائل الذين ضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة والتضحية بأن يمضي أبطال اليوم قُدماً على خطاهم.

ووجه القائد تحية تقدير خاصة إلى أبطال الدفاع الجوي حماة السماء الحاليين، واصفاً إياهم بعبارة حماسية بالغة الدلالة:"كُنتم ومازِلتُم حائطَ الصدِ المنيعِ... الذى يَحمى الحَاضرَ والمُستقبلَ... فأنتم بحق... رمز الصمودِ... وعيونُ الوطنِ التى لا تنام".

وفي رسالته إلى شعب مصر الأبي، شدّد القائد على أن حائط الصواريخ الذي بناه الآباء سيظل قوياً ومتجدداً، حيث يطوره الأبناء اليوم بأحدث أنظمة التسليح العالمية لتبقى أجواء الوطن مصانة ومحمية برجال لا تلين إرادتهم لتبقى سماؤنا عصية على كل طامع.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.48 PM (2)
الفريق ياسر الطودي قائد قوات الدفاع الجوي

وفي ذات السياق، وجه الفريق الطودي رسالة عهد وتأييد إلى الفريق أول أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، صاغ فيها عقيدة حراس الأفق بقوله: "نُعَاهِدُكُم... بأن يَظلَ رِجالَ الدِفاعِ الجَوىِ... مُحافظينَ على الجِاهزيةِ القِتاليةِ... فى أعلى مُستويَاتِها... مُؤمنينَ بأن السَماءَ خطُ دفاعٍ... لا يَقلُ قداسةً عن تُرابِ الأرضِ".

واختتم كلمته الافتتاحية بتقديم أسمى آيات الشكر والعرفان إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، مثمناً الدعم اللامحدود لتطوير القدرات النوعية لقوات الدفاع الجوي لتظل سماؤنا محرمة على الأعداء، سائلاً الله أن يحفظه ذخراً للوطن ويسدد خطاه ويجعله رمزاً للعزة وقائداً لمسيرة الانتصار.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.49 PM

ميلاد القوة الرابعة وسلسلة المعارك التاريخية ضد المعتدين

وعند الإبحار في الجذور التاريخية لنشأة هذا السلاح العريق، أوضح الفريق ياسر الطودي أن الجذور الأولى ترجع إلى عام 1937، حيث تم آنذاك تشكيل الوحدات الأولى من (المدفعية المضادة للطائرات - الأنوار الكاشفة)، واشتركت ببسالة ودقة في الحرب العالمية الثانية، وحرب عام 1948، وحرب عام 1956، بمهمة توفير الدفاع الجوي عن المدن الرئيسية.

وكانت الإسكندرية شاهدة على أبرز معارك هذه الوحدات في شهر يونيو عام 1941، حيث تمكنت بكفاءة نادرة من صد هجمة جوية مركّزة شنتها دول المحور بقوة قوامها 100 طائرة، وعقّب القائد على هذه الملحمة باعتزاز قائلاً:"دي كانت أول شهادة نجاح لسلاح الدفاع الجوى المصرى".

ثم أظهرت حرب عام 1956 ضرورة ملحة لتدبير أنظمة صواريخ حديثة ومتطورة من الاتحاد السوفيتي، نتيجة قلة إمكانيات المدفعية المضادة للطائرات مقارنة بالتطور المتسارع لطائرات الأعداء في ذلك الوقت.

وعليه، وصلت كتائب صواريخ (سام-2) في عام 1961 بأعداد محدودة وشاركت في حرب عام 1967، والتي كان أبرز دروسها المستفادة وأكثرها حتماً هو أهمية إنشاء قوات الدفاع الجوي كقوة مستقلة قائمة بذاتها في الهيكل العسكري، وتتويجاً لهذه الرؤية صدر القرار الجمهوري رقم 199 في الرابع عشر من فبراير عام 1968، معلناً رسمياً في البلاد مولد القوة الرابعة المستقلة في القوات المسلحة المصرية.

ملحمة حرب الاستنزاف وأسبوع تساقط الفانتوم الإسرائيلي

ويمضي قائد قوات الدفاع الجوي في حديثه مؤكداً أنه على الرغم من النتيجة القاسية لحرب عام 1967، إلا أن رجال الدفاع الجوي استوعبوا دروسها المستفادة جيداً وبدأوا رحلة طويلة وشاقة من الإعداد والتجهيز واستكمال التسليح وإعادة التنظيم الشامل، حيث جرى التدريب القتالي الحقيقي تحت ضغط الهجمات الجوية الإسرائيلية المعادية والمستمرة ضد قواتنا المسلحة على الجبهة.

ومن رحم هذه التحديات، خططت القيادة العسكرية لبناء حائط الصواريخ الأسطوري، وهو عبارة عن تجميع قتالي متنوع من الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات في أنساق متتالية داخل مواقع ودشم محصنة بهدف توفير الدفاع الجوي عن التجميعات الرئيسية للجيوش الميدانية والأهداف الحيوية، وبما يحقق امتداد التغطية بالصواريخ شرق القناة.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.48 PM (1)

وقد تم إنشاء هذه المواقع واحتلالها في ظروف بالغة الصعوبة وبتضحيات عظيمة لا يمكن نسيانها، حيث تحملها رجال الدفاع الجوي والمهندسون العسكريون والمدنيون أثناء استهداف العدو الجوي الإسرائيلي المستمر لتلك المواقع خلال عمليات البناء والتشييد.

وبناءً على هذه التجهيزات، صدرت الأوامر العسكرية اعتباراً من يوم السادس عشر من أبريل عام 1970 بالبدء فوراً في تنفيذ كمائن الدفاع الجوي بواسطة كتائب الصواريخ (سام-2) في منطقة القناة، ونجحت هذه الكمائن باقتدار في إحداث خسائر فادحة بالطائرات المقاتلة لإسرائيل وكسر هيبتها الجوية ومهدت الطريق لبناء حائط الصواريخ بالكامل.

وتحركت الكتائب إلى منطقة القناة على وثبات دقيقة خلال عشر ليالٍ فقط مع إنشاء تحصينات هندسية لكل نطاق واحتلاله عسكرياً تحت حماية النطاق الخلفي له، ومع تمام احتلال كتائب النيران لحائط الصواريخ، سطر الأبطال ملحمة عسكرية هزت الأوساط الدولية، حيث تمكنوا من إسقاط أحدث الطائرات المقاتلة لإسرائيل من طراز (فانتوم، سكاى هوك) وأسر طياريها، وكانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ العسكري التي تسقط فيها طائرة حديثة من طراز فانتوم.

وتوالى بعد ذلك سقوط طائرات العدو الإسرائيلي الواحدة تلو الأخرى وهو ما أطلق عليه تاريخياً "أسبوع تساقط الفانتوم"، لتتخذ قوات الدفاع الجوي من يوم الثلاثين من يونيو عام 1970 عيداً سنويًا مجيداً لها، واستطاعت القوات خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس من عام 1970 منع طيران العدو الإسرائيلي تماماً من الاقتراب من قناة السويس أو التوغل إلى العمق المصري، مما أجبر إسرائيل مرغمة على قبول (مبادرة روجرز) لوقف إطلاق النار في أغسطس 1970.

وخلال فترة وقف إطلاق النار، نجحت القوات في حرمان العدو الإسرائيلي من استطلاع قواتنا المتمركزة على طول الجبهة، وتم ذلك بإسقاط طائرة الاستطلاع الإلكتروني الاستراتيجي الإسرائيلية العملاقة (الإستراتوكروزار) عبر كمين محكم بقوة كتيبتين صباح يوم 17 سبتمبر 1971 تمهيداً لنسف أسطورة ذراعه الطولى في نصر أكتوبر 1973.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.48 PM

مواكبة الثورة العسكرية وعصر الحروب الذكية

وفي قراءته التحليلية للمشهد العسكري العالمي، أشار الفريق ياسر الطودي إلى نقطة جوهرية مؤكداً أن الفترة الأخيرة شهدت ثورة جديدة في الشؤون العسكرية وتحولاً كبيراً في إدارة العمليات، وأوضح سيادته أن موازين القوى تغيرت نتيجة التطور التكنولوجي الهائل والاستخدام الموسع للذكاء الاصطناعي في الحروب، وانتهى إلى الأبد زمن المعارك التقليدية القائمة على أعداد ضخمة من القوات.

وبرزت هذه الثورة بوضوح في العمليات النفسية ونشر الدعاية والتضليل والتأثير المباشر على الرأي العام، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة، توجيه الأسلحة والمسيرات، دعم عملية اتخاذ القرار العسكري السريع، توجيه الهجمات السيبرانية، إدارة اللوجيستيات، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي بشكل متسارع لمجابهة الأخطار الحالية والمستقبلية.

هذا التحول غير أنماط الصراعات بالكامل من الحروب التقليدية إلى "حروب ذكية"، وهي حروب تمنح الجيوش تفوقاً غير مسبوق في القدرات القتالية وتجعل ميزان الردع بين أطراف الصراع معقداً للغاية وينعكس مباشرة على طبيعة التهديدات الجوية.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.47 PM (3)

الاستراتيجية الثنائية لبناء وتطوير الفرد المقاتل

وأكد الفريق الطودي لمحرري الشؤون العسكرية أن المقاتل المصري هو حجر الزاوية في منظومة الردع، معبراً عن ذلك بيقين راسخ:"لدينا اليقين أن الثروة الحقيقية تكمن فى الفرد المقاتل (فهو الركيزة الأساسية) للمنظومة القتالية".

وبناءً على ذلك وضعت القيادة خطة طموحة لتطوير مهاراته وقدراته عبر مسارين رئيسيين؛ حيث يركز المسار الأول على إعادة بناء الفرد المقاتل لتكوين شخصية متميزة بحسن الخلق والتمسك بالقيم العسكرية، وتتصف بالولاء المطلق والانتماء وحب الوطن.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.47 PM (2)

ويتحقق ذلك من خلال تنفيذ خطة توعية شاملة لغرس الفهم الصحيح والفكر المعتدل للأديان السماوية لتحصين الفرد ضد الحروب النفسية والأفكار المتطرفة الهدامة والتأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي، مع الاهتمام البالغ بالعوامل النفسية المؤثرة على روحه المعنوية والتي تبعث فيه روح القتال والإيمان بالنصر، بالإضافة إلى التنمية المعرفية والتحلي بالمرونة الذهنية لاتخاذ القرارات في ظروف شديدة التعقيد.

أما المسار الثاني فيتجه مباشرة نحو تطوير العملية التعليمية والتدريبية للوصول إلى المواصفات المنشودة فنياً وبدنياً وانضباطياً، ويتم تنفيذ ذلك عبر تطوير وتحديث البيئة التعليمية بكلية الدفاع الجوي لإعداد وتخريج ضباط قادرين على التعامل الاحترافي مع أحدث الأسلحة والمعدات ذات التقنيات الحديثة.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.49 PM (1)

كما يشمل هذا المسار تطوير الدورات التدريبية التخصصية المؤهلة للضباط وضباط الصف بانتهاج استراتيجية التعليم التفاعلي بمعهد الدفاع الجوي، وتأهيل الضباط بالخارج للتعرف على فكر وتكتيكات الدول الأخرى، إلى جانب انتقاء أفضل المدربين للعمل في وحدة التدريب المشترك لتدريب الأفراد المستجدين وتقييم أدائهم وانتقائهم وتوزيعهم بما يتلاءم مع طبيعة مهامهم، وتنفيذ معسكرات تدريب مركزة بمركز التدريب التكتيكي لقوات الدفاع الجوي، فضلاً عن تنفيذ الرمايات التخصصية من صواريخ ومدفعية م ط في ظروف مشابهة تماماً للعمليات الحقيقية، وإجراء التدريبات المشتركة مع الدول الصديقة والشقيقة لتبادل الخبرات والمهارات.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.47 PM (1)

قفزة البحث العلمي وتوطين التصنيع العسكري بنسبة 100%

وفي مستهل حديثه الشامل عن ملامح الارتقاء بالعمل البحثي، أعلن الفريق ياسر الطودي أن "مركز البحوث الفنية والتطوير للدفاع الجوي" هو المحرك الرئيسي لمنظومة التحديث والتطوير الحالية والمستقبلية، كونه يضم كوكبة من الضباط المتميزين الحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراه من داخل وخارج مصر.

واعتمدت القيادة استراتيجية متكاملة للمحافظة على المعدات الحالية وتوطين التكنولوجيا والتصنيع العسكري من خلال إيجاد حلول علمية لإطالة الأعمار الفنية ورفع الكفاءة وحل المشكلات وتوفير البدائل لقطع الغيار، وتطوير العمل البحثي بالاستفادة من الإمكانيات العلمية المتوفرة في المراكز البحثية للقوات المسلحة والجهات المعنية بهدف امتلاك تكنولوجيا تصنيع دفاع جوي.

ويتدفق هذا النطاق ليشمل التصنيع المشترك لأنظمة ومعدات الدفاع الجوي بالتعاون مع الشركات العالمية، والاستفادة القصوى من القاعدة الصناعية العريقة بكل من (وزارة الإنتاج الحربي، الهيئة العربية للتصنيع، واتحاد الصناعات المصرية) للوصول إلى عمق تصنيع محلي بنسبة مئة بالمئة تدريجياً.

وعن ثمار هذه الاستراتيجية الطموحة، تحدث القائد بابتسامة فخر قائلًا:"الحمد لله... استطعنا تصنيع (رادار، مراكز قيادة وسيطرة، أنظمة تعارف مؤمنة، طائرات هدفية، أنظمة مجابهة الطائرات الموجهة بدون طيار)".

WhatsApp Image 2026-06-29 at 12.09.47 PM

رسالة طمأنينة إلى الشعب المصري

وفي ختام اللقاء أبى الفريق ياسر الطودي أن ينهي حديثه دون أن يرسل كلمات نابضة بالثقة واليقين لتدوي في قلوب المصريين، حيث وجّه رسالة طمأنينة حاسمة وقوية قائلًا:"أحب أطمئن الشَعبَ المصرَى.. أن أبناؤهم من رجال الدفاعِ الجوى.. مسلحينَ بالعلم والإيمان.. وأحدث نُظمِ التسليح.. فى أعلى درجاتِ الاستعدادِ القتالى.. على مَدارِ السَاعة..مُستعدين للتَصدِى لأى عدائيات.. بكُلِ حَسمٍ وقُوة".

search