السبت، 11 يوليو 2026

03:26 م

هدية أردوغان "القاتلة".. لماذا وزع الرئيس التركي مسدسات مخصصة لقادة الناتو؟

هدية أردوغان لقادة الناتو

هدية أردوغان لقادة الناتو

لم تكن الصناديق الخشبية الفاخرة التي غادر بها قادة حلف شمال الأطلسي قمتهم التي استمرت يومين في أنقرة مجرد هدايا وداع تقليدية، إذ اكتشف عدد منهم لاحقًا أنها تحتوي على مسدسات من طراز "357 Magnum"، ما أثار الخوف عند البعض، بينما تعامل البعض الآخر مع الموقف بروح الدعابة.

أردوغان يهدي مسدسات لقادة الناتو

وعند مغادرة القمة، لم يهتم معظم القادة بالنظر داخل أكياس الهدايا التي كانوا يحملونها، ولم يعرف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وعدد من رؤساء الحكومات الآخرين محتويات الصناديق الخشبية التي تلقوها من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلا بعد فتحها.

1111
هدية أردوغان لقادة الناتة

وكان بداخل كل صندوق قرمزي مبطن بلباد أسود مسدس "357 Magnum"، يشبه السلاح الذي حمله "Dirty Harry" في الأفلام، وإن كان في هذه الحالة نسخة مصنوعة في تركيا، وفقًا لشبكة "يورو نيوز".

ارتباك بسبب الذخيرة الحية

أثار اكتشاف الهدية حالة من الذعر لدى بعض القادة، وكان من بينهم رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر، إذ التقط فريقه صورة للصندوق داخل كيس ورقي للهدايا على أرض مطار بروكسل، بعدما اكتشفوا بعد الهبوط والعودة إلى البلاد المسدس المطلي بالكروم، والذي جرى تخصيصه بعناية وحمل اسمه.

وازداد ارتباك فرق الأمن التي رافقت الوفود عندما تبين أن الصندوق لا يضم المسدس فقط، بل يحتوي أيضًا على ست طلقات حية.

وفي المقابل، تعامل آخرون مع الهدية بروح الدعابة، ومن بينهم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي أطلق نكتة قال فيها إن هديته من شراب القيقب "لا ترتقي أبدًا" إلى مستوى ذلك المسدس القوي واللامع.

2222
أردوغان مع قادة الناتو

تقليد قديم

ورغم الطابع غير المألوف للهدية، فإن تقديم سلاح حقيقي منقوش إلى رئيس دولة، باعتباره تعبيرًا عن حسن النية أو وسيلة للتسويق، يمثل واحدًا من أقدم التقاليد المرتبطة بالدبلوماسية وصناعة الأسلحة، وهو عرف امتد في الغرب ومناطق أخرى من العالم.

وانتشرت قصة هدية أردوغان سريعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، مقدمة صورة لزعيم قوي وغير متوقع يفاجئ حلفاءه بهدية غير معتادة.

ما هو المسدس الذي قدمه أردوغان؟

المسدس الذي قدمه أردوغان إلى حلفائه في حلف شمال الأطلسي هو "Gümüşay .357 Magnum"، وهو مسدس دوار يتسع لست طلقات، جرى تطويره في الأصل خلال تسعينيات القرن العشرين بواسطة شركة تصنيع في مدينة جوموشهانه، قبل أن تغلق الشركة لاحقًا، ويُضم ما تبقى من مخزونها إلى قائمة منتجات شركة الصناعات العسكرية الحكومية "MKE".

وحمل كل مسدس اسم الشخص الذي قُدم إليه، ووُضع داخل صندوق يحمل العلم التركي وشعار حلف شمال الأطلسي.

وفي الوقت نفسه، تؤدي هذه الهدية وظيفة ترويجية، بعدما أصبحت تركيا خلال السنوات الأخيرة ثالث أكبر مصدر للأسلحة الخفيفة في العالم، في وقت تسعى فيه إلى توسيع هذه الصناعة بصورة أكبر.

كتاب ورسالة شخصية وقلم حبر

ووفقًا لما ذكرته وسائل الإعلام التركية، لم يكن المسدس الهدية الوحيدة التي قدمها أردوغان في أنقرة، إذ أرفقه بنسخة موقعة من سيرته الذاتية باللغة الإنجليزية، التي تحمل عنوان "The Politics of Courage: Erdoğan and the Rise of Türkiye"، إلى جانب رسالة شخصية وقلم حبر.

وأكدت رئاسة الجمهورية التركية، من خلال دائرة الاتصالات، منذ ذلك الحين، تقديم هذه الهدايا، لكنها لم تقدم أي توضيحات إضافية حتى الآن.

عادة منح السيوف

يمثل تقديم الأسلحة النارية إلى الأصدقاء والحلفاء صورة صناعية حديثة من تقليد قديم كان يقوم على منح السيوف الاحتفالية، وهي عادة كانت منتشرة بين الطبقات الأرستقراطية الأوروبية.

وكان الملوك الفرنسيون يقدمون سيوفًا احتفالية منقوشًا عليها "Ex Dono Regis"، أي "مُهدى من الملك"، باعتبارها أوسمة تمنح في ساحات القتال، وشملت تلك الهدايا ضباطًا أجانب من الحلفاء خلال حرب الاستقلال الأمريكية.

صموئيل كولت والسلطان العثماني

في خمسينيات القرن التاسع عشر، وخلال سفر صموئيل كولت في أوروبا والإمبراطورية العثمانية، قدم بنفسه إلى السلطان العثماني عبد المجيد الأول مسدسًا دوارًا مطعمًا بالذهب، جرى نقشه خصيصًا له.

وبعد أن أوضح كولت للسلطان أن الروس يشترون مسدساته بالفعل، طلب عبد المجيد شراء خمسة آلاف قطعة.

وكان كولت قد استخدم الأسلوب التسويقي نفسه مع الروس قبل ذلك بأشهر، عندما قدم إلى القيصر نيكولاس الأول، في أواخر عام 1854 وخلال حرب القرم، مسدسات مطعمة بالذهب وتحمل زخارف وطنية أمريكية.

وكان من اللافت أن شركات الأسلحة الأمريكية كانت تزود طرفي ذلك النزاع.

وينشستر يسير على النهج نفسه

واتبع أوليفر وينشستر، منافس كولت، النهج ذاته داخل الولايات المتحدة، إذ طلب تصنيع بندقية "Henry" مزودة بحليات ذهبية ومنقوشة، ثم قدمها بنفسه إلى الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن، في محاولة واضحة لكسب ود الإدارة والحصول على عقود لتزويدها ببنادق الحرب.

وبعد عقود، قدم ثيودور روزفلت، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للولايات المتحدة وكان من هواة جمع الأسلحة، بندقية وينشستر مطلية بالذهب من طراز 1895 إلى ليونارد وود، الحاكم العسكري الأمريكي لكوبا، وقد نُقش عليها التاريخ واسمه الشخصي.

أسلحة فريدة لرؤساء الولايات المتحدة

وعلى امتداد السنوات، تلقى رؤساء أمريكيون أثناء وجودهم في مناصبهم، إلى جانب مسؤولين آخرين، أسلحة نارية كهدايا من مواطنين وجماعات للمحاربين القدامى وشركات مصنعة.

وفي عام 1870، تلقى يوليسيس إس جرانت مسدس "Smith & Wesson Model No. واحد ونصف"، بينما أهدي إلى جروفر كليفلاند سلاح "Colt" غير معتاد من عيار ثمانية، صنع خصيصًا له وطعم بالذهب، مع نقش اسمه على واقي الزناد.

كما حصل جون إف كينيدي على مسدس "Colt Single Action Army" يحمل نقشًا للختم الرئاسي والحروف "JFK"، بينما حُدد رقمه التسلسلي ب"PT109"، في إشارة إلى زورق الدوريات الذي قاده خلال الحرب العالمية الثانية.

وتلقى هاري ترومان خلال فترة رئاسته عددًا من قطع السلاح الفريدة، من بينها مسدس "1911" مزخرف، إلى جانب مسدس "Officer's Model Colt .22"، قدمه إليه شخصيًا رئيس شركة التصنيع في ذلك الوقت.

وبعد وصوله إلى الرئاسة، تلقى روزفلت نفسه بندقية مزدوجة الطلقات من عيار .450-500 من مستورد الأسلحة فريدريك أدولف، ويبدو أن تقديمها جاء في محاولة لجذب الاهتمام إلى نشاط أدولف التجاري في مجال الأسلحة.

بنادق صيد سوفيتية لإيزنهاور

لم يتوقف هذا التقليد مع مرور الزمن، ففي عام 1959، وصل نيكيتا خروتشوف إلى واشنطن واختار بنفسه زوجًا من بنادق الصيد المزخرفة بصورة كبيرة لتقديمهما إلى الرئيس دوايت آيزنهاور ووزير الدفاع نيل ماكيلروي.

وصنعت تلك البنادق في مصانع الأسلحة بمدينة إيجيفسك، وزينت بمشاهد صيد محفورة يدويًا باستخدام الذهب والفضة، كما مرت عبر الجمارك دون أي مشكلة، رغم أن ذلك حدث في قلب الحرب الباردة.

مسدس ذهبي لترامب في 2019

وفي واقعة أكثر حداثة، قدم رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش، عام 2019، إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسدس "CZ 75" مطليًا بالذهب، من إنتاج محلي محدود، ونُقشت عليه سنة ميلاد ترامب.

وبعد لقاء الرجلين مباشرة، كتبت شركة "Česká zbrojovka" على منصة "إنستجرام" أنها فخورة باختيار منتجها ليكون هدية رسمية من جمهورية التشيك إلى الرئيس الأمريكي.

هدية سلاح تتحول إلى حادث

وفي بعض الحالات، تسببت مثل هذه الهدايا في حوادث فعلية، ففي ديسمبر 2022، عاد قائد الشرطة البولندية ياروسواف شيمتشيك من أوكرانيا وهو يحمل قاذفة قنابل مضادة للدبابات حصل عليها هناك كهدية.

وانفجر الجهاز داخل مكتبه، ما أدى إلى إصابته بجروح طفيفة، إلى جانب وقوع أضرار كبيرة في مقر قيادة الشرطة في وارسو.

ولا تزال عادة تقديم السيوف قائمة حتى الوقت الحاضر، ففي مارس 2025، منح الملك تشارلز الثالث سيفًا يحمل رمزه الملكي إلى حامل الصولجان الأسود في كندا خلال مراسم أقيمت في قصر باكنجهام، باعتباره رمزًا للسيادة الكندية.

مصير مسدسات قادة الناتو

وقالن المتحدث باسم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنها "عبرت عن شكرها" لأردوغان على الهدية، موضحًا أن المسدس سيخرج من الخدمة، ثم يُتبرع به إلى متحف عسكري.

أما مكتب رئيس وزراء لوكسمبورج لوك فريدن، فأوضح أن المسدس سيُحفظ إلى جانب بقية "الهدايا الدبلوماسية"، بعد جعله أولًا "غير صالح للاستخدام بشكل لا رجعة فيه".

ووصل المسدس الذي قُدم إلى الرئيس البولندي كارول نافروتسكي بأمان أيضًا، ولكن مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة، في ظل بقاء ذكرى الحادثة السابقة حاضرة.

وقال أحد مساعدي نافروتسكي لإحدى الإذاعات المحلية: "من المؤكد أن أحدًا لن يطلق منه النار".

وسخر الرئيس الكرواتي زوران ميلانوفيتش، يوم الجمعة، من الهدية، قائلًا إن أردوغان "وزع علينا أسلحة pew-pews" خلال القمة، قبل أن يضيف متفاخرًا: "أنا أطلق النار من سلاح مختلف".

وفي المقابل، لم تعلق رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني على الهدية.

ونقلت وسائل الإعلام الإيطالية عن مصادر حكومية في روما أن السلاح تم تسليمه في أنقرة إلى "عناصر مخولة بالتعامل مع الأسلحة"، وأنه سيسجل ويُحفظ في "قصر كييجي"، وفقًا "للإجراءات المعتادة الخاصة بكل الهدايا التي يتلقاها رئيس الوزراء".

"عادة وتقاليد تركية قديمة"

من جانبه، قال شيفكي ياسين سونر، وهو من هواة الأسلحة في تركيا ويدير قناة شهيرة على "يوتيوب" مخصصة للعبة "airsoft"، لوسائل إعلام محلية، إن ما حدث يمثل "في الواقع عادة، وتقاليد تركية قديمة".

وأوضح أن المسدس الدوار، عند النظر إليه بصورة عامة، يعكس "جودة القيادة"، مضيفًا أنه عند العودة إلى التاريخ يتبين أنه واحد من المسدسات الأيقونية التي استخدمها عدد من القادة السابقين، وكذلك شخصيات تحمل صفات القيادة في الأفلام.

وأكد سونر أن المسدسات التي قُدمت إلى القادة صُنعت بالكامل في تركيا، معربًا عن الفخر والسعادة باسم بلاده، قبل أن يختتم بقوله: "وإن شاء الله سنهدي المزيد".

اقرأ أيضًا:

"لولا أردوغان لما حضرت".. ترامب يهاجم الحلفاء الأوروبيين قبل قمة "الناتو"

search