السبت، 18 يوليو 2026

09:56 م

الحرب.. معركةٌ تُدار ومصالحُ تُحاك

مع اندلاع كل حرب كبرى، تتصدر التصريحات التى تتحدث عن حسم سريع للمشهد، وتُرسم توقعات بانتهاء العمليات خلال فترة وجيزة، ثم تكشف الوقائع أن الصراعات الإقليمية والدولية تتحرك وفق حسابات أكثر تعقيدًا، تمتزج فيها القوة العسكرية بالمصالح السياسية والاقتصادية، فتتسع رقعة المواجهة وتتغير ملامحها مع مرور الوقت.

الحرب الدائرة مع إيران تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى فى الشرق الأوسط، وتضع المنطقة أمام اختبار يرتبط بطبيعة الأهداف المعلنة، وحجم المصالح المتشابكة، ومدى قدرة الأطراف المختلفة على إدارة الصراع بالتوازى مع الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.

ومع اتساع دائرة التأثير، يفرض التاريخ حضوره باعتباره مرآة لتجارب مشابهة. فالحروب التى خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية قدمت نماذج متعددة، كشفت أن البدايات السريعة كثيرًا ما أعقبها مسار طويل من التحولات السياسية والعسكرية.

فى فيتنام، تطورت المواجهة عبر سنوات متتالية، وتعاقبت الإدارات الأمريكية بينما ظل الصراع حاضرًا حتى انتهى بعد مرحلة طويلة من الاستنزاف، تاركًا آثارًا عميقة على الداخل الأمريكى وعلى توازنات المنطقة آنذاك.

ثم جاءت أفغانستان لتقدم تجربة أخرى امتدت عقدين كاملين، انتقلت خلالها إدارة الحرب بين أكثر من رئيس أمريكى، وانتهت بانسحاب أعاد رسم المشهد السياسى والأمنى، وأثبت أن نتائج الحروب ترتبط بمجموعة واسعة من العوامل تتجاوز التفوق العسكرى.

وفى العراق، حملت السنوات التالية للغزو سلسلة من التحولات المتلاحقة، وتبدلت طبيعة المهمة العسكرية أكثر من مرة، حتى أصبحت المنطقة أمام واقع جديد فرض تحديات أمنية وسياسية استمرت لسنوات.

وتكشف تطورات المشهد أن مسار الحروب الحديثة يرتبط بمجموعة واسعة من المتغيرات، تمتد من ساحات القتال إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، ومواقف القوى الكبرى، وحسابات الحلفاء والخصوم. ومع كل تطور ميدانى تتغير حسابات السياسة، وتُعاد صياغة التحالفات، وتبرز مبادرات جديدة تحمل تصورات مختلفة لمستقبل المنطقة، بما يجعل الحرب جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.

هذه التجارب تمنح المشهد الحالى بعدًا أوسع، وتجعل قراءة المستقبل مرتبطة بحركة الأحداث على الأرض، وبالمواقف الدولية، وبقدرة القوى المؤثرة على الوصول إلى صيغة تحقق قدرًا من الاستقرار، أو تدفع الصراع إلى مراحل جديدة تحمل تغيرات أكبر فى خريطة الإقليم.

وفى ظل هذه المعطيات، يظل مستقبل الحرب مرتبطًا بتطورات الميدان، وبالقرارات السياسية التى تصنعها العواصم الكبرى، وبالمتغيرات التى قد تعيد رسم قواعد الاشتباك فى أى لحظة. وتبقى المنطقة أمام مرحلة تحمل كثيرًا من الاحتمالات، بينما يظل الزمن وحده صاحب الكلمة الأخيرة فى تحديد نقطة النهاية.

رابط مختصر

تابعونا على

search