الأربعاء، 22 يوليو 2026

01:11 ص

بعد اتهامات العبودية.. ما دلالة تصريحات رئيس بوركينا فاسو ضد العرب؟

 رئيس بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري

رئيس بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري

أثارت تصريحات رئيس بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري، موجة واسعة من الجدل بعدما قال إن بعض الدول العربية تقوم بتدريس مئات الطلاب البوركينيين الشريعة الإسلامية تمهيدًا لـ"تطبيقها داخل بلاده".

كما تحدث عن تاريخ العبودية في أفريقيا، معتبرًا أن القارة عانت "أكثر من ألف عام من العبودية على يد العرب"، وهي تصريحات أثارت ردود فعل غاضبة وانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.

تصريحات رئيس بوركينا فاسو التي أغضبت العرب

وقال تراوري إن أكثر من ألف شاب بوركيني يدرسون في عدد من الدول العربية، مضيفًا أن آخر الإحصاءات التي اطلع عليها تشير إلى وجود نحو 800 طالب، يدرسون الشريعة الإسلامية والقوانين الإسلامية والفقه، وليسوا ملتحقين بتخصصات مهنية أو تقنية.

ولفت إلى أنهم قد يعودون إلى بوركينا فاسو بهدف "تطبيق الشريعة"، متسائلاً: "هل ترون الآن لماذا من المهم مراقبة هؤلاء؟ ولهذا أقول إن المرحلة الأكثر أهمية ما زالت أمامنا، هؤلاء الأشخاص أريد إعادتهم، إذا كان هناك من يسعى إلى القضاء علينا من الداخل، فهل أنتم واعون بذلك؟".

وأضاف أن أفريقيا تعرضت لأكثر من ألف عام من "العبودية على يد العرب"، معتبرًا أن هذا الجانب من التاريخ يتم تجاهله أو طمسه.

إهدار قرون من التفاعل الحضاري

في السياق، علق الباحث في الشؤون السياسية، عصام عبد المنعم على كلام الرئيس البوركيني بالقول: “إن تقديم العلاقة العربية الإفريقية باعتبارها علاقة استعباد فقط يهدر قرونًا من التفاعل الحضاري والتجاري والعلمي والإنساني”. 

وأضاف عبد المنعم في تصريحات خاصة لـ"تيجراف مصر": أن الإسلام انتشر في مناطق واسعة من أفريقيا، خاصة في غرب القارة، عبر التجارة والتواصل الثقافي والعلماء والطرق الصوفية. 

وأكمل: "لذلك تستحق تصريحات الرئيس الانتقالي في بوركينا فاسو، النقيب إبراهيم تراوري، بشأن ما وصفه بـ "استعباد العرب للأفارقة لأكثر من ألف عام"، نقاشًا مسؤولًا بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية، إذ إن تحويل التاريخ إلى اتهام جماعي موجه إلى شعب أو حضارة أو دين يمثل اختزالًا غير منصف".

خطاب سيادي أفريقي

وتابع: "يمكن فهم تصريحات تراوري في إطار محاولته بناء خطاب سيادي أفريقي يواجه النفوذ الخارجي والتطرف الديني، ويعيد صياغة الذاكرة الوطنية بعيدًا عن السردية الاستعمارية الأوروبية وحدها، غير أن الانتقال من نقد التاريخ إلى صناعة خصم حضاري جديد يمثل مخاطرة سياسية واضحة".

لماذا جاءت هذه التصريحات الآن؟

يرى نائب مدير مركز الفكر للشؤون السياسية، الدكتور هاني الجمل، أن توقيت تصريحات تراوري مرتبطة بالوضع الأمني والسياسي الذي تشهده منطقة الساحل، أكثر من كونه موجهًا ضد العالم العربي في حد ذاته.

وقال الجمل لـ"تليجراف مصر"، إن منطقة الساحل لا تزال تعاني تداعيات عقود من الاستعمار التقليدي، إلى جانب انتشار الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة العابرة للحدود، وهو ما انعكس سلبًا على الاستقرار والتنمية في دول المنطقة، وعلى رأسها بوركينا فاسو.

وأضاف أن القيادة البوركينية تنظر إلى ملف التعليم الخارجي من زاوية الأمن القومي، في ظل خشيتها من استغلال بعض الجماعات المتشددة للفراغ التعليمي أو الديني في تجنيد الشباب، وهو ما يفسر تشديد الرئيس البوركيني على مراقبة البعثات التعليمية.

وبحسب الجمل، فإن تصريحات تراوري لا تعني رفض التعليم الديني، وإنما تعكس رغبة في أن تقترن المنح التعليمية بالعلوم التطبيقية والمهنية التي تساعد على تنمية الاقتصاد وبناء الدولة.

نماذج ناجحة قدمتها الحضارة الإسلامية

وأوضح أن الحضارة الإسلامية نفسها قدمت نماذج جمعت بين العلوم الشرعية والعلوم التطبيقية، مستشهدًا بعلماء مثل ابن الهيثم وابن سينا وابن رشد والخوارزمي، الذين لم يقتصر دورهم على العلوم الدينية، بل أسهموا في الطب والرياضيات والفلك والهندسة، ولا تزال إنجازاتهم مؤثرة حتى اليوم.

وأضاف أن الرسالة التي يمكن استخلاصها من تصريحات الرئيس البوركيني هي أن الدول المانحة للمنح الدراسية ينبغي أن توازن بين التعليم الديني والتخصصات العلمية والتكنولوجية، بما يتيح للشباب المساهمة في تنمية مجتمعاتهم بعد العودة.

فرصة مصر لتعزيز دورها 

ويرى الجمل أن مصر تمتلك فرصة لتعزيز دورها في أفريقيا عبر توسيع برامج المنح لتشمل، إلى جانب الدراسات الشرعية، مجالات التكنولوجيا والعلوم التطبيقية والتعليم الفني.

وأشار إلى أن هذا التوجه يتوافق مع السياسات التي تبنتها مصر خلال السنوات الماضية، والتي ركزت على دعم التعليم التكنولوجي والجامعات التطبيقية وتنمية مهارات الشباب، وهو ما يمكن أن يتحول إلى أحد أدوات القوة الناعمة المصرية داخل القارة الأفريقية.

وأضاف أن تطوير برامج تدريبية ومهنية تستهدف الشباب الأفريقي قد يسهم في بناء شراكات تنموية مع دول الساحل، وفي الوقت نفسه يقلل من فرص استقطاب الشباب من قبل الجماعات المتطرفة.

مواجهة التطرف بالتنمية

ولفت الجمل إلى أن معالجة التحديات الأمنية في منطقة الساحل لا يمكن أن تعتمد على الحلول العسكرية فقط، بل تتطلب أيضًا الاستثمار في التعليم وفرص العمل والتنمية المستدامة، باعتبارها أدوات رئيسية لتحصين الشباب ضد الفكر المتطرف.

ويرى أن الجمع بين العلوم الشرعية المعتدلة والعلوم التطبيقية يمكن أن يشكل نموذجًا أكثر فاعلية لدعم استقرار دول المنطقة، وتحويل البعثات التعليمية إلى وسيلة لبناء الكفاءات ودعم التنمية، بدلًا من أن تصبح مصدرًا للمخاوف الأمنية.

علاقة مقربة مع إسرائيل

بالتوازي مع تصريحات إبراهيم تراوري، استقبل الرئيس البوركيني، الشهر الماضي، السفير الإسرائيلي الجديد لدى بوركينا فاسو، سيمون سروسي، لتسلم أوراق اعتماده رسميًا في العاصمة واجادوجو.

وجاءت الخطوة بعد أشهر من الغموض بشأن اعتماد السفير، إذ كانت مجلة "أفريكا إنتليجنس" كشفت أن طلب اعتماده، الذي قُدم خلال صيف 2025، ظل معلقًا قبل أن توافق عليه السلطات البوركينية بهدوء.

ووفقًا لشبكة "i24news" الإسرائيلية، تأتي هذه التطورات في وقت تكثف فيه إسرائيل تحركاتها الدبلوماسية في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، ضمن مساعٍ لتعزيز علاقاتها مع بعض الدول.

اقرأ أيضًا:

“استعبدوا الأفارقة”.. من هو رئيس بوركينا فاسو الذي أغضب العرب؟

search