"حين ينطق الليف ذهبًا".. نساء البراجيل ينسجن أحلام الحياة من ألياف النخيل بالمنيا (صور)
سيدات "قرية البراجيل بالمنيا" يتحدين البطالة بصناعة الحبال من ليف النخيل
في قلب الصعيد، وتحديدًا في أحد الشوارع الضيقة التابعة لقرية البراجيل بمركز ملوى جنوب محافظة المنيا، يتجسد مفهوم الكفاح بأجمل صوره؛ هناك، تفترش السيدات الأرض، وقد رسمت قسوة الأيام خيوطها على وجوههن وأيديهن التي غادرتها النعومة الملساء؛ لتكتب بصلابة ملامح رحلة كفاح يومية.
حيث تظن للوهلة الأولى أنهن بلغن من العمر عتيًا من أثر مرارة السنوات، لكنهن في مقتبل العمر يواجهن مصاعب المعيشة بثبات، يثبتن الليف تحت أقدامهن بطريقة محترفة للسيطرة عليه وفتله بمهارة فائقة.

البراجيل.. القرية التي لا تعرف “البطالة”
حينما تطأ قدمك شوارع البراجيل، تدرك أن لـ"البطالة" عنوان غير موجود هنا؛ فالجميع يعمل، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً يجلس الأهالي أمام منازلهم يتوسطهم ليف النخيل، ليبدأوا طقوس الفتل لصناعة حبال بمختلف أنواعها، تحويلًا للمادة الخام إلى أرزاق حلال تضمن لهم مقومات الحياة الكريمة.
وتقول بدرية عبد الحكيم، البالغة من العمر 70 عامًا، والتي تعيش مع نجلها الوحيد وأسرته لـ"تليجراف مصر": "فكرة العمل جاءت لمساعدة نجلي على مواجهة ظروف الحياة وقسوتها وتربية الأطفال، فنعمل أنا وزوجة ابني وأحفادنا في صناعة الحبال من الليف داخل المنزل، ويرزقنا الله نهاية اليوم بالرزق الحلال".

وتضيف بدرية أن المهنة متوارثة أباً عن جد منذ زمن بعيد، حيث يشترون كميات الليف ويحولونها إلى أحبال بأطوال محددة ليتم بيعها من جديد، وتؤكد بعبارات تحمل الحكمة والرضا: "ثمن الليف قليل وثمن الأحبال كثير مقارنة بحجم الجهد والعدد، لكننا نعمل جميعاً من أجل اللقمة الحلال طوال الأسبوع، فالعمل عبادة، وليس عيباً أن تساعد الزوجة زوجها".
من جانبه، يؤكد محمود السيد، الذي وُلِد ليجد نفسه وسط هذه الصنعة، التي قضاها مساعداً لوالديه قائلاً: "أغلب من يعملون في المهنة هن نساء المنازل، فنحن نشترى الليف من أحد التجار بالقنطار، ونخزن جزءًا منه لموسم الصيف حيث ينقطع توافر الليف لكونه يرتبط بموسم قص النخيل وتجميله".

وحول حجم الإنتاج، يوضح محمود أن الأسرة الواحدة قد تنتج يوميًا ما بين 200 إلى 300 حبل، ويتم بيعها بالـ100، بسعر يتراوح بين 15 إلى 20 جنيهًا.
فن صناعة الحبل.. مهارة تتوارثها الأجيال
العملية الإنتاجية ليست مجرد فتلة عشوائية، بل هي هندسة منزلية دقيقة، فتشرح فوزية عمران مراحل الصناعة قائلة: "نحضر كميات الليف ونغمرها أولاً في المياه لتكتسب مرونة ورطوبة تجعل التحكم فيها ممكناً، ثم نفرغها لنبدأ في جدولتها وفتلها".
وتضيف أن الطول القياسي للحبل يبلغ 120 سنتيمتراً، وهو مقاس تم هندسته خصيصًا لتلبية احتياجات المزارعين في موسم حصاد القمح، حيث يعتمدون عليه كليًا في تجميع وتربيط السنابل قبل الحصاد.

من جانبه، يؤكد الحاج محمد عيد (82 عامًا)، الذي قضى عقودًا طويلة في هذه الحرفة برفقة زوجته، أن أكثر من 90% من أسر القرية تمتهن هذه الصنعة، وبابتسامة رضا يقول: "ملناش مواعيد عمل رسمية ولا قيود، فالتعاون بين الزوج والزوجة هو مفتاح الاستمرار وعبور أزمات الحياة".
رواج اقتصادي يربط قرية البراجيل بمحافظات مصر
لا تقتصر سوق حبال البراجيل على النطاق المحلي، بل تحولت القرية إلى قبلة تجارية يقصدها كبار التجار من شتى أنحاء الجمهورية، حيث يتوافدون في موسم الأرز لشراء كميات هائلة من حبال الليف لاستخدامها في تربيط محصول الأرز.
ويتواجد تجار الإسكندرية داخل القرية طوال أيام العام لشراء الحبال واعتمادها في ربط البضائع وتأمينها داخل الموانئ البحرية.
أما تجار سوهاج ومحافظات الوجه القبلي فيصلون مع منتصف شهر مارس من كل عام لشراء الأطنان من الحبال استعداداً لموسم حصاد القمح،

في قرية البراجيل، لا تُقاس قيمة الأشياء بثمنها المادي البسيط، بل بمدى صلابتها في وجه العوز، هناك، تنسج السيدات من ليف النخيل البسيط حبالاً متينة تشد بها أسرتهن وثاق الأمل نحو غدٍ أفضل.
الأكثر قراءة
-
براتب يتجاوز 500 ألف جنيه سنويا.. طريقة التقديم لوظيفة مساعد إداري بالسفارة الأمريكية
-
حقيقة انهيار عقار ووقوع ضحايا في عابدين بسبب الزلزال
-
ليس عاشور.. نجم الأهلي يفاجئ الإدارة برفض التجديد وعرض سعودي يقلب الموازين
-
"لو بتحبها خدها معاك البيت".. رسالة عموتة لـ لاعبي الأهلي في التدريبات
-
"حبيت غيرها وأجبروني عليها".. شاب يفاجئ عروسه في ليلة حنتها بـ15 طعنة
-
انفراجة داخل الزمالك.. وانتهاء أكبر أزمة قبل الموسم الجديد
-
مأساة بالمنوفية.. سحل مسن وزوجته على يد جارهما أمام أعين الأهالي
-
"كاف" يفاجئ الأهلي بقرار هام قبل قرعة الكونفدرالية ودوري أبطال أفريقيا
أخبار ذات صلة
"خلص عليه في نص الشارع".. ضبط المتهم بإنهاء حياة جاره في الإسكندرية
03 أغسطس 2026 01:31 م
استعدادات خاصة في أسيوط لاحتفالات "العذراء" بتطوير الطرق المؤدية لدير درنكة
03 أغسطس 2026 12:44 م
"الإشغالات دي بتعمل ايه هنا؟".. محافظ المنوفية يحيل رئيس وحدة قروية للتحقيق
03 أغسطس 2026 12:32 م
محافظ الفيوم يبحث مع وفد السويدي إليكتريك إنشاء مجمع صناعي للمكونات الكهربائية
03 أغسطس 2026 12:28 م
"يا عمو البيت بيقع".. القصة الكاملة لتحذيرات طفل صغير قبل انهيار عقار زفتى: "محدش صدقني"
03 أغسطس 2026 12:11 م
محافظ سوهاج يؤكد استقرار الأوضاع بالمراكز والقرى عقب الهزة الأرضية
03 أغسطس 2026 11:25 ص
طوارئ الأقصر: لم نسجل أي هزات أرضية والمحافظة آمنة
03 أغسطس 2026 04:38 ص
أكثر الكلمات انتشاراً