الإثنين، 03 أغسطس 2026

12:49 م

​"حين ينطق الليف ذهبًا".. نساء البراجيل ينسجن أحلام الحياة من ألياف النخيل بالمنيا (صور)

سيدات "قرية البراجيل بالمنيا" يتحدين البطالة بصناعة الحبال من ليف النخيل

سيدات "قرية البراجيل بالمنيا" يتحدين البطالة بصناعة الحبال من ليف النخيل

في قلب الصعيد، وتحديدًا في أحد الشوارع الضيقة التابعة لقرية البراجيل بمركز ملوى جنوب محافظة المنيا، يتجسد مفهوم الكفاح بأجمل صوره؛ هناك، تفترش السيدات الأرض، وقد رسمت قسوة الأيام خيوطها على وجوههن وأيديهن التي غادرتها النعومة الملساء؛ لتكتب بصلابة ملامح رحلة كفاح يومية. 

حيث تظن للوهلة الأولى أنهن بلغن من العمر عتيًا من أثر مرارة السنوات، لكنهن في مقتبل العمر يواجهن مصاعب المعيشة بثبات، يثبتن الليف تحت أقدامهن بطريقة محترفة للسيطرة عليه وفتله بمهارة فائقة.

1001943874
البراجيل.. القرية التي لا تعرف “البطالة”

البراجيل.. القرية التي لا تعرف “البطالة”

حينما تطأ قدمك شوارع البراجيل، تدرك أن لـ"البطالة" عنوان غير موجود هنا؛ فالجميع يعمل، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً يجلس الأهالي أمام منازلهم يتوسطهم ليف النخيل، ليبدأوا طقوس الفتل لصناعة حبال بمختلف أنواعها، تحويلًا للمادة الخام إلى أرزاق حلال تضمن لهم مقومات الحياة الكريمة.

وتقول بدرية عبد الحكيم، البالغة من العمر 70 عامًا، والتي تعيش مع نجلها الوحيد وأسرته لـ"تليجراف مصر"​: "فكرة العمل جاءت لمساعدة نجلي على مواجهة ظروف الحياة وقسوتها وتربية الأطفال، فنعمل أنا وزوجة ابني وأحفادنا في صناعة الحبال من الليف داخل المنزل، ويرزقنا الله نهاية اليوم بالرزق الحلال".

1001943873
الحاجة بدرية وزوجة ابنها 

​وتضيف بدرية أن المهنة متوارثة أباً عن جد منذ زمن بعيد، حيث يشترون كميات الليف ويحولونها إلى أحبال بأطوال محددة ليتم بيعها من جديد، وتؤكد بعبارات تحمل الحكمة والرضا: "ثمن الليف قليل وثمن الأحبال كثير مقارنة بحجم الجهد والعدد، لكننا نعمل جميعاً من أجل اللقمة الحلال طوال الأسبوع، فالعمل عبادة، وليس عيباً أن تساعد الزوجة زوجها".

​من جانبه، يؤكد محمود السيد، الذي وُلِد ليجد نفسه وسط هذه الصنعة، التي قضاها مساعداً لوالديه قائلاً: ​"أغلب من يعملون في المهنة هن نساء المنازل، فنحن نشترى الليف من أحد التجار بالقنطار، ونخزن جزءًا منه لموسم الصيف حيث ينقطع توافر الليف لكونه يرتبط بموسم قص النخيل وتجميله".

1001943876

​وحول حجم الإنتاج، يوضح محمود أن الأسرة الواحدة قد تنتج يوميًا ما بين 200 إلى 300 حبل، ويتم بيعها بالـ100، بسعر يتراوح بين 15 إلى 20 جنيهًا.

فن صناعة الحبل.. مهارة تتوارثها الأجيال

​العملية الإنتاجية ليست مجرد فتلة عشوائية، بل هي هندسة منزلية دقيقة، فتشرح فوزية عمران مراحل الصناعة قائلة: ​"نحضر كميات الليف ونغمرها أولاً في المياه لتكتسب مرونة ورطوبة تجعل التحكم فيها ممكناً، ثم نفرغها لنبدأ في جدولتها وفتلها".

​وتضيف أن الطول القياسي للحبل يبلغ 120 سنتيمتراً، وهو مقاس تم هندسته خصيصًا لتلبية احتياجات المزارعين في موسم حصاد القمح، حيث يعتمدون عليه كليًا في تجميع وتربيط السنابل قبل الحصاد.

1001943875
قرية البراجيل بالمنيا 

​من جانبه، يؤكد الحاج محمد عيد (82 عامًا)، الذي قضى عقودًا طويلة في هذه الحرفة برفقة زوجته، أن أكثر من 90% من أسر القرية تمتهن هذه الصنعة، وبابتسامة رضا يقول: "ملناش مواعيد عمل رسمية ولا قيود، فالتعاون بين الزوج والزوجة هو مفتاح الاستمرار وعبور أزمات الحياة".

رواج اقتصادي يربط قرية البراجيل بمحافظات مصر

​لا تقتصر سوق حبال البراجيل على النطاق المحلي، بل تحولت القرية إلى قبلة تجارية يقصدها كبار التجار من شتى أنحاء الجمهورية، حيث يتوافدون في موسم الأرز لشراء كميات هائلة من حبال الليف لاستخدامها في تربيط محصول الأرز.

ويتواجد ​تجار الإسكندرية داخل القرية طوال أيام العام لشراء الحبال واعتمادها في ربط البضائع وتأمينها داخل الموانئ البحرية.

أما ​تجار سوهاج ومحافظات الوجه القبلي فيصلون مع منتصف شهر مارس من كل عام لشراء الأطنان من الحبال استعداداً لموسم حصاد القمح، 

1001943878

​في قرية البراجيل، لا تُقاس قيمة الأشياء بثمنها المادي البسيط، بل بمدى صلابتها في وجه العوز، هناك، تنسج السيدات من ليف النخيل البسيط حبالاً متينة تشد بها أسرتهن وثاق الأمل نحو غدٍ أفضل.

search