الثلاثاء، 28 يوليو 2026

11:27 ص

رسوم ترامب الجديدة تربك السوق المصري.. كيف توثر الـ12.5% على فاتورة التصدير؟

صادرات مصر

صادرات مصر

انتقلت الولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة من سياستها الجمركية، الجمعة الماضية، بعدما فرضت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رسومًا جمركية بنسبة 12.5% على الواردات المصرية، ضمن حزمة إجراءات شملت نحو 60 دولة، استندت إلى ما تقول واشنطن إنه ضعف في إنفاذ حظر استيراد السلع المرتبطة بالعمل القسري.

رسوم ترامب على مصر

ولا تأتي هذه الرسوم في وقت يشهد تراجعًا في العلاقات التجارية بين البلدين، بل على العكس؛ إذ سجلت الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة أعلى مستوياتها خلال السنوات الأخيرة.

ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى السوق الأمريكية 2.7 مليار دولار في عام 2025، مقابل 2.3 مليار دولار في عام 2024، بزيادة بلغت 19.9%، لتستحوذ الولايات المتحدة على 5.2% من إجمالي الصادرات المصرية إلى العالم.

293904
الأمريكي دونالد ترامب 

وتتصدر الملابس الجاهزة قائمة الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة بقيمة 1.3 مليار دولار خلال عام 2025، تمثل 48.7% من إجمالي الصادرات إلى السوق الأمريكية، مقابل 1.2 مليار دولار في العام السابق، بزيادة 11.4%. 

كما تشمل أبرز السلع المصدرة الحديد والصلب ومصنوعاته بقيمة 182.6 مليون دولار، والسجاد وأغطية الأرضيات بقيمة 151.9 مليون دولار، والمنتجات الغذائية المتنوعة 144.6 مليون دولار، والخضر والفاكهة 129.3 مليون دولار، والأسمدة 100.4 مليون دولار، إلى جانب اللدائن ومصنوعاتها، والمنسوجات، والمنتجات الكيماوية، والألومنيوم ومصنوعاته.

ورغم شمول القرار للصادرات المصرية، فإنه استثنى عددًا من السلع والقطاعات، بينها الوقود، والأسمدة، والمواد الغذائية، إضافة إلى المنتجات الخاضعة بالفعل لتعريفات خاصة، مثل السيارات والأدوية والمعادن.

من المادة 122 إلى المادة 301

وتستند الرسوم الجديدة إلى  المادة 301 من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974، التي تمنح الإدارة الأمريكية صلاحية فرض إجراءات تجارية على الدول التي ترى أنها تمارس ممارسات تجارية غير عادلة. وسبق أن استخدم ترامب هذه المادة خلال ولايته الأولى لفرض رسوم واسعة على الواردات الصينية في إطار الحرب التجارية بين واشنطن وبكين.

وتحل الرسوم الجديدة محل التعريفة المؤقتة البالغة 10% التي فرضتها واشنطن في فبراير الماضي، وانتهى العمل بها الجمعة الماضية، ووفقًا لمكتب الممثل التجاري الأمريكي، فإن الإجراءات الجديدة تغطي 99.4% من إجمالي الواردات الأمريكية.

وكانت إدارة ترامب قد فرضت الرسوم المؤقتة عقب إبطال المحكمة العليا جزءًا من الرسوم الجمركية العالمية التي استندت إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، والتي بررت الإدارة استخدامها آنذاك بالحاجة إلى معالجة اختلالات ميزان المدفوعات، قبل أن تنتقل إلى المادة 301 كأساس قانوني للحزمة الجديدة.

الملابس في صدارة القطاعات المتأثرة

وأوضح رئيس مجلس إدارة جمعية المصدرين المصريين "إكسبولينك"، محمد قاسم، أن قطاع الملابس الجاهزة سيكون الأكثر تعرضًا لتداعيات الرسوم الجديدة، باعتباره أكبر بند في الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة.

وأضاف قاسم لـ"تليجراف مصر"، أن المشكلة لا تكمن في نسبة الرسوم البالغة 12.5% وحدها، وإنما في أن القرار لم يشمل جميع الدول المنافسة. فبينما خضعت مصر وعدد محدود من الدول للإجراءات الجديدة، ما زالت دول أفريقية أخرى تتمتع بإعفاءات جمركية عند التصدير إلى السوق الأمريكية في إطار قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA)، في حين تعتمد مصر على اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ) في جزء من صادراتها.

1753978213_814_163704_5f7b400cbafa0d3eaedacaf9_vel
الملابس الجاهزة

وتتيح اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة، الموقعة عام 2004 بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، دخول المنتجات المصرية إلى السوق الأمريكية دون رسوم جمركية، بشرط أن تتضمن مكونًا إسرائيليًا لا يقل عن 10.5%.

وأشار رئيس مجلس إدارة جمعية المصدرين المصريين "إكسبولينك"، إلى أن هذا التفاوت يمنح بعض المنافسين، مثل كينيا، أفضلية سعرية تعادل قيمة الرسوم المفروضة على الصادرات المصرية، بما قد يضعف القدرة التنافسية للمنتج المصري داخل السوق الأمريكية.

ورغم ذلك، يرفض رئيس "إكسبولينك" تقدير حجم الخسائر المحتملة في الوقت الحالي، معتبرًا أن قياس التأثير يتطلب دراسات متخصصة، لكنه يؤكد أن استمرار الرسوم سيضيف عبئًا جديدًا على الصادرات المصرية، ويستدعي تحركًا مشتركًا بين الحكومة والقطاع الخاص لمحاولة الحد من آثارها والذي يرى أن الرسوم الجديدة قد تمنح مصر فرصة لتعزيز صادراتها.

ويتفق معه عضو المجلس التصديري للملابس الجاهزة، مجدي طلبة، في أن الرسوم ستفرض تحديات على القطاع، لكنه يشير إلى أن تأثيرها لن يكون متساويًا على جميع المنتجات، لأن قيمة الرسوم تُحسب كنسبة من سعر السلعة، بما يعني أن المنتجات الأعلى سعرًا ستتحمل قيمة رسوم أكبر.

وأضاف طلبة لـ"تليجراف مصر" أن قدرة الشركات المصرية على الحد من تأثير الرسوم ترتبط بتطوير منتجاتها والاتجاه إلى الصناعات الأعلى قيمة مضافة، بدلًا من التركيز على المنتجات النمطية منخفضة السعر، بما يسمح باستيعاب الزيادة في التكلفة والحفاظ على القدرة التنافسية.

وأشار إلى أن العبء الأكبر قد يقع في النهاية على المستهلك الأمريكي، الذي سيدفع أسعارًا أعلى، خصوصًا أن الرسوم لم تستهدف مصر وحدها، وإنما شملت عشرات الدول المنافسة في السوق الأمريكية، وهو ما يعني أن المنتج المصري لن يكون الوحيد الذي ترتفع تكلفته.

ميزة تنافسية

على النقيض، أكد رئيس مجلس إدارة غرفة صناعة الملابس الجاهزة باتحاد الصناعات المصرية، وعضو سابق بالمجلس التصديري للملابس الجاهزة، الدكتور محمد عبدالسلام، أن الرسوم الأمريكية الجديدة لن تفقد المنتج المصري ميزته التنافسية في السوق الأمريكية خاصة في قطاع الملابس الجاهزة.

وأوضح عبدالسلام لـ"تليجراف مصر"، إن الشركات المصرية تتمتع بمزايا جمركية في إطار اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ)، وإن فرض رسوم بنسبة 12.5% لا يلغي الميزة التنافسية التي تتمتع بها الصادرات المصرية مقارنة بعدد من الدول المنافسة التي تواجه تعريفات جمركية أعلى بكثير.

وأشار إلى أن الرسوم الأمريكية على بعض منتجات الملابس القادمة من دول أخرى تبلغ نحو 22% للمنتجات المصنوعة من البوليستر و35% للمنتجات القطنية، قبل أن ترتفع بنسب إضافية بعد القرار الأخير، وهو ما يعني أن الفارق في التكلفة بين المنتج المصري والمنتجات المنافسة لا يزال قائمًا، بما يحافظ على قدرة الصادرات المصرية على المنافسة داخل السوق الأمريكية.

صادرات المعادن

ويتفق معه عضو اللجنة الاستشارية لتنمية الصادرات التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، ووكيل مجلس إدارة غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية، أيمن العشري، أن الرسوم الأمريكية الجديدة لا تمثل تغييرًا جوهريًا في أوضاع الصادرات المصرية باعتبارها امتدادًا للإجراءات الجمركية التي بدأ تطبيقها في وقت سابق، علاوة على أنها قد تمنح بعض الصادرات المصرية ميزة تنافسية خاصة مع استمرار استفادة جزء منها من اتفاقيات تجارية توفر إعفاءات جمركية وفي مقدمتها اتفاقية الكويز.

1707047887_182_165277_adfg41
الحديد المصري

وأوضح العشري لـ"تليجراف مصر" أن الرسوم المفروضة على الواردات المصرية لواشنطن لا تزال أقل من تلك المطبقة على عدد من الدول المنافسة وهو ما قد يفتح فرصًا أكبر أمام المنتج المصري داخل السوق الأمريكية، مرجحًا ألا تؤدي زيادة الرسوم من 10% إلى 12.5% إلى تأثير ملموس على الصادرات المصرية، بل قد تعزز فرص الشركات المصرية في زيادة حصتها السوقية مقارنة بالدول التي تواجه تعريفات جمركية أعلي.

من جانبه، أوضح المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية، محمد حنفي، أن المنتج المصري بدأ يتأثر منذ إعلان الإدارة الأمريكية في أبريل 2025 فرض الرسوم الجمركية "التبادلية"، التي تراوحت بين 10% و50% على عدد من الواردات.

وأضاف لـ"تليجراف مصر" إن قطاعي الحديد والألومنيوم سيكونان الأكثر ارتباطًا بالرسوم الجديدة، لكنه لا يتوقع أن يؤدي القرار إلى تراجع كبير في صادرات الحديد إلى الولايات المتحدة، لأن السوق الأمريكية لا تمثل الوجهة الرئيسية لصادرات القطاع.

وتدعم بيانات المجلس التصديري لمواد البناء والصناعات المعدنية هذا التقييم؛ إذ تراجعت صادرات مصر من الحديد الصب والصلب خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنسبة 18% على أساس سنوي، لتسجل نحو 680 مليون دولار، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. 

ويعود جزء من هذا التراجع إلى انخفاض الشحنات الموجهة إلى عدد من الأسواق الرئيسية، وفي مقدمتها تركيا، التي استحوذت على نحو 13.5% من إجمالي صادرات الحديد المصرية خلال الفترة محل الدراسة، إذ هبطت قيمة الصادرات إليها إلى 91.894 مليون دولار مقابل 138.179 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.

صادرات الكيماويات

وأما رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، خالد أبو المكارم، أكد أن من المبكر إصدار حكم نهائي على حجم تأثير الرسوم الأمريكية، لأن انعكاساتها ستختلف من قطاع إلى آخر وفقًا لطبيعة المنتج، وهوامش التسعير، ومدى منافسة السلع القادمة من دول خضعت للإجراءات نفسها.

ولفت أبو المكارم لـ"تليجراف مصر" إلى أن الرسوم قد ترفع تكلفة دخول بعض المنتجات المصرية إلى السوق الأمريكية، بما يفرض ضغوطًا على المصدرين، إلا أن التأثير الفعلي سيظل مرتبطًا بقدرة كل صناعة على الحفاظ على قدرتها التنافسية، فضلًا عن أن القرار الأمريكي تضمن استثناءات لعدد من السلع.

هل يمكن تعويض السوق الأمريكية؟

ورغم اختلاف تقديرات ممثلي القطاعات التصديرية لحجم التأثير، فإنهم يتفقون على أن إيجاد بديل سريع للسوق الأمريكية ليس خيارًا واقعيًا.

وأشار طلبة إلى إن أكثر من نصف صادرات قطاع الملابس الجاهزة تتجه إلى الولايات المتحدة، وهي أكبر سوق عالمي للقطاع إلى جانب السوق الأوروبية، ما يجعل إعادة توجيه هذه الصادرات إلى أسواق أخرى في فترة قصيرة أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة أن كثيرًا من الأسواق البديلة، ومنها أسواق أفريقية، تعتمد على منتجات منخفضة التكلفة لا تتوافق مع طبيعة الإنتاج المصري.

فيما أوضح أبو المكارم أن الرسوم الجديدة قد تدفع الشركات إلى تسريع خطط تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على سوق واحدة، لكنه لا يتوقع أن يحدث تحول واسع وسريع في وجهات الصادرات المصرية. 

أما المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية، يرى أن كثيرًا من الشركات بدأت بالفعل في البحث عن أسواق جديدة بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2025، وتصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية، معتبرًا أن تنويع الأسواق ليس استجابة للقرار الأخير، وإنما مسار بدأ قبله.

2825151822028202602160951475147
كيماويات

ويقول قاسم، إن نقل صادرات تتجاوز قيمتها مليار دولار من السوق الأمريكية إلى أسواق أخرى ليس أمرًا يمكن تنفيذه في الأجل القصير، لأن السوقين الأمريكية والأوروبية تستحوذان على النصيب الأكبر من الصادرات المصرية.

معركة قانونية قد تغير المشهد

وفي الوقت الذي يعول فيه المصدرون على أن تكون الرسوم الجديدة مؤقتة، يشير طلبة إلى أن القرار يواجه بالفعل طعونًا قضائية داخل الولايات المتحدة، كما يشكك في الأساس الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية بشأن ضعف إنفاذ حظر العمل القسري، معتبرًا أن هذه الاتهامات لم تستند إلى تحقيقات أو أدلة معلنة.

وبالفعل، طعنت شركتان أمريكيتان، الجمعة الماضية، في أحدث حزمة من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، معتبرتين أن السياسة الجديدة، شأنها شأن معظم الرسوم السابقة التي فرضها الرئيس الأمريكي، تتجاوز الصلاحيات المخولة له في فرض ضرائب على الواردات وجاء في الدعوى، التي رُفعت أمام محكمة التجارة الدولية الأمريكية في نيويورك، أن الرسوم الجديدة تتطلب نتائج وتحقيقات أكثر تفصيلًا بشأن الممارسات التجارية غير العادلة لكل دولة على حدة حتى تكون مبررة قانونًا.

search