الأربعاء، 29 يوليو 2026

03:39 م

“الأوديسة” في عيون كريستوفر نولان.. إحياء أسطورة تاريخية من السبات إلى الشاشات

الأوديسة

الأوديسة

منذ أن أعلن المخرج الأمريكي الشهير كريستوفر نولان، عزمه تقديم معالجة سينمائية لواحدة من أعظم الملاحم في تاريخ الأدب الأوروبي، كان واضحًا أن "الأوديسة" لن يكون فيلمًا عابرًا في موسم سينمائي كغيره، بل مشروعًا يحمل طموحًا يتناسب مع ضخامة الحكاية التي يستند إليها، فكيف يمكن لمخرج اعتاد أن يعيد تعريف حدود الصورة السينمائية أن يقترب من ملحمة عمرها آلاف السنين، دون أن يفقد روحها أو يحولها إلى مجرد استعراض بصري؟

بهذا السؤال، دخل فيلم "الأوديسة"- the odyssey إلى دور العرض، حاملًا توقعات كبيرة وحالة جدل واسعة سبقت عرضه، ليُقدم نولان رؤيته الخاصة لرحلة أوديسيوس، في مغامرة بصرية تُعيد تخيل واحدة من أشهر الحكايات التي عرفتها الإنسانية، وتضعها أمام جمهور معاصر بلغة سينمائية تحمل بصمة مخرج طالما ارتبط اسمه بالتجريب والطموح والبحث عن أقصى ما يمكن أن تقدمه الشاشة الكبيرة.

كيف وصف النقاد فيلم الأوديسة؟ 

ووصف عدد من النقاد، الفيلم بأنه "عمل سينمائي ضخم" و"تحفة فنية"، فيما حقق، وفق الأرقام الواردة في النص الأصلي، إيرادات عالمية بلغت 369.6 مليون دولار خلال أسبوعين من طرحه في 17 يوليو، وسط توقعات بتجاوز حاجز المليار دولار، وحظي بإشادات واسعة، محققًا نسبة بلغت 98% على موقع "روتن توماتوز"، بحسب المعلومات الواردة.

لكن النجاح الجماهيري لم يمنع الجدل من مرافقة الفيلم منذ الإعلان عنه، بل إن النقاش بدأ قبل عرضه بوقت طويل، خصوصًا حول اختيارات طاقم التمثيل، فقد أثار إسناد دور هيلين إلى لوبيتا نيونجو، إلى جانب مشاركة مغني الراب ترافيس سكوت والممثل إليوت بيج، نقاشات واسعة، بينما انتقد البعض غياب ممثلين يونانيين عن العمل، باعتبار أن الملحمة ترتبط بجذور ثقافية وتاريخية يونانية عميقة.

جدل حول استخدام اللكنة الأمريكية 

ولم يتوقف الجدل عند حدود اختيار الممثلين، إذ تعرض الفيلم أيضًا لانتقادات بسبب استخدام اللكنة الأمريكية واللغة الإنجليزية المعاصرة، غير أن هذا الخيار، بحسب ما نُسب إلى نولان، جاء انطلاقًا من رغبته في تقديم لغة تصل إلى الجمهور عاطفيًا، بدلًا من الالتزام بلغة قديمة يصعب على المشاهد المعاصر التفاعل معها.

ومع بدء عرض الفيلم، انتقل الجدل إلى مستوى آخر، يتعلق بكيفية تقديم شخصية أوديسيوس نفسها، فبينما اعتاد الجمهور على صورة البطل الملحمي الساعي إلى المجد، يقدم نولان، وفق هذا الطرح، شخصية أكثر إنهاكًا وتعقيدًا؛ محاربًا أنهكته سنوات الحرب، ويحمل أعباء الماضي وذكرياته، في معالجة تعيد قراءة الشخصية من زاوية نفسية وإنسانية مختلفة، وبينما رأى البعض في ذلك ابتعادًا عن صورة أوديسيوس التقليدية، اعتبر آخرون أن هذه المقاربة تمنح الشخصية عمقًا دراميًا يتناسب مع السينما الحديثة.

ورغم كل هذا الجدل، فإن الجانب الأكثر إثارة في تجربة "الأوديسة" قد يكون الطريقة التي اختار بها نولان تحويل الأسطورة إلى مشاهد ملموسة على الشاشة، فالمخرج المعروف بتفضيله المؤثرات العملية والتصوير في مواقع حقيقية، وابتعاده النسبي عن الاعتماد المفرط على المؤثرات البصرية المصنوعة بالحاسوب، وسّع هذه الفلسفة في مشروعه الجديد إلى نطاق غير مسبوق.

ومن بين الأمثلة التي يوردها العمل مشاهد العمالقة الليستريجونيين، حيث جرى الاعتماد على مؤدي مشاهد خطرة ذوي قامات طويلة، إلى جانب تقنيات مثل المنظور القسري والدروع العملاقة، لصناعة وهم بصري يجعل الشخصيات تبدو بالحجم الأسطوري المطلوب.

كما استعان فريق الإنتاج بالمؤثرات العملية في مشاهد العالم السفلي، حيث تظهر أرواح الموتى من بين الرمال السوداء، في مشاهد صُممت لتبدو أقرب إلى تجربة حية منها إلى صورة مصنوعة بالكامل داخل الحاسوب.

استخدام كاميرات فيلم IMAX للمرة الأولى

لكن التجربة الأكثر لفتًا للانتباه كانت في التصوير نفسه، إذ يقدم الفيلم، وفق المعلومات الواردة، تجربة غير مسبوقة باعتباره أول فيلم روائي طويل يُصوَّر بالكامل باستخدام كاميرات فيلم IMAX. ولتحقيق ذلك، عمل نولان مع مهندسي IMAX على تطوير كاميرات جديدة للتغلب على الضجيج الميكانيكي المرتفع الذي لطالما شكّل تحديًا أمام تصوير المشاهد الحوارية القريبة.

وبسبب ضخامة هذه الكاميرات، اضطر فريق العمل إلى ابتكار حلول تقنية جديدة، من بينها استخدام أغطية عازلة ومرايا تساعد الممثلين على رؤية بعضهم بعضًا أثناء التصوير، وقد سمح هذا الابتكار بالحفاظ على التواصل البصري بين الممثلين، ومن ثم تقديم أداء أكثر طبيعية وصدقًا، رغم وجود معدات تصوير ضخمة تفصل بينهم.

في النهاية، لا يبدو "الأوديسة" مجرد إعادة تقديم لقصة قديمة، بل محاولة لإعادة اكتشافها من جديد؛ فالمعادلة التي يطرحها نولان تقوم على الجمع بين أسطورة عمرها آلاف السنين، وتقنيات سينمائية حديثة، ورؤية إخراجية تحاول أن تجعل المشاهد يعيش الرحلة بدلًا من أن يكتفي بمشاهدتها.

ومع كل فيلم جديد لـ نولان، يبدأ الجمهور مبكرًا في التساؤل عن الخطوة التالية. ومع “الأوديسة”، ظهرت بالفعل نظريات بين المعجبين حول احتمال انتقال المخرج مستقبلًا إلى "الإلياذة"، خاصة مع غياب شخصية أخيل عن هذا العمل، لكن هذه الفكرة تظل، حتى الآن، مجرد نظرية متداولة بين الجمهور ولا يمكن تأكيدها.

ومهما كان المشروع المقبل، فإن تجربة "الأوديسة" تؤكد شيئًا واحدًا عندما يقرر كريستوفر نولان أن يقترب من أسطورة، فإنه لا يكتفي بإعادة سردها، بل يحاول أن يمنحها حياة جديدة، وأن يضعها أمام أعين جيل كامل كما لو أنها تُروى للمرة الأولى.

اقرأ أيضًا:

يُعرض في 5 أغسطس.. الكشف عن البرومو الرسمي لفيلم

بطولة مصطفى غريب.. موعد عرض مسرحية "ليلة عسل" في مصر

عرض غرام في الكرنك يشارك في المهرجان القومي للمسرح (صور)

تابعونا على

search