الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

12:47 م

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

12:47 م

سد إثيوبيا.. حين يصبح سؤال الكهرباء مدخلًا إلى سؤال أخطر؟

في ظل التطورات المتسارعة في ملف سد إثيوبيا وتصريحات الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري المصري يبرز سؤال مهم جدًا لا يجب أن يظل حبيس التصريحات الرسمية أو النقاشات السياسية، بل يجب أن يصل إلى المواطن المصري والإثيوبي على حد سواء.

إذا كان سد النهضة قد أُنشئ في الأساس من أجل توليد الكهرباء وتحقيق التنمية للشعب الإثيوبي فأين ذهبت الكهرباء التي ينتجها السد، وهل وصلت بالفعل إلى المواطن الإثيوبي وهل انعكست على حياته اليومية وعلى مستوى معيشته وعلى توفير احتياجاته من الطاقة؟

وهنا لا بد أن نكون دقيقين جدًا فالسؤال عن استخدام الكهرباء في تعدين العملات الرقمية أو البيتكوين هو تساؤل طُرح في التصريحات الإعلامية وليس من الصحيح تحويله إلى حقيقة قاطعة دون بيانات رسمية معلنة تثبته، لكن مجرد طرح السؤال يجعلنا أمام قضية أكبر وهي ضرورة الشفافية في معرفة حجم الكهرباء التي ينتجها السد وكيف يتم استخدامها وأين تذهب ومن هم المستفيدون منها

فإذا كان الهدف الأساسي من سد النهضة هو التنمية وتوفير الكهرباء للشعب الإثيوبي فمن حق المواطن الإثيوبي أن يعرف حجم ما تحقق من هذا الهدف ومن حقه أن يسأل حكومته، هل وصلت الكهرباء إلى القرى والمناطق التي تحتاج إليها وهل تحسنت حياة المواطن وهل أصبح الحصول على الطاقة أكثر سهولة، وهل انعكس المشروع على الصناعة والزراعة والخدمات وفرص العمل، أم أن هناك استخدامات أخرى للطاقة المنتجة تحتاج إلى توضيح؟

وهنا ننتقل إلى السؤال الأكبر وهو سؤال المياه

فالقضية بالنسبة لمصر لا تتعلق برفض التنمية في إثيوبيا ولا برفض حق الشعب الإثيوبي في الحصول على الكهرباء والتنمية، فمصر لا تعارض أن تحقق إثيوبيا التنمية وأن تستفيد من مواردها ولكن المشكلة الأساسية تتعلق بكيفية إدارة سد ضخم على نهر دولي وكيفية ضمان ألا تؤدي قواعد الملء والتشغيل والتصرفات المائية إلى الإضرار بدولتي المصب

مصر دولة تعتمد بصورة أساسية على نهر النيل، ولذلك فإن المياه بالنسبة للمصريين ليست مجرد مورد اقتصادي، وإنما هي قضية حياة وأمن واستقرار ومستقبل أجيال كاملة ولذلك فإن الوصول إلى اتفاق واضح وملزم يحدد قواعد تشغيل السد والتعامل مع سنوات الجفاف والجفاف الممتد وتبادل البيانات والتنسيق بين الدول ليس رفاهية سياسية وإنما ضرورة تفرضها طبيعة النهر وطبيعة المصالح المشتركة بين دوله

وهنا يجب أن يفهم المواطن المصري أن الخلاف ليس مع الشعب الإثيوبي وأن الشعب الإثيوبي ليس خصمًا للشعب المصري، فالمواطن الإثيوبي يريد الكهرباء والتنمية والمواطن المصري يريد المياه والأمان وكلا المطلبين مشروع ويمكن أن يتحققا معًا إذا أصبحت قاعدة التعامل هي التعاون والشفافية وعدم الإضرار بالآخر.

كما يجب أن يفهم المواطن الإثيوبي أن مصر لا تطلب من إثيوبيا أن تتوقف عن التنمية ولا تطلب منها أن تتخلى عن حقها في الاستفادة من مواردها، وإنما تطلب أن تكون هناك قواعد واضحة تحمي حقوق جميع الدول التي تشترك في هذا النهر.

وهنا يأتي دور الوعي الشعبي

فبدلًا من أن يتحول ملف سد النهضة إلى صراع بين الشعوب يجب أن يتحول إلى مساحة لفهم الحقيقة وطرح الأسئلة الصحيحة.

إذا كانت الكهرباء هي الهدف الأساسي من السد فأين ذهبت الكهرباء؟

وإذا كانت التنمية هي الغاية، فكم استفاد المواطن الإثيوبي منها؟

وإذا كانت إدارة المياه حقًا سياديًا لإثيوبيا فكيف يمكن ممارسة هذا الحق على نهر عابر للحدود دون مراعاة حقوق دول المصب

وإذا كانت هناك فوائد مشتركة يمكن أن يحققها النيل فلماذا لا تكون هناك قواعد مشتركة تضمن أن يحصل الجميع على حقوقهم دون أن يضر طرف بالآخر

هذه الأسئلة ليست دعوة للصدام وإنما دعوة للشفافية

وليست دعوة للعداء وإنما دعوة للفهم

وليست ضد الشعب الإثيوبي وإنما من أجل أن يعرف كل شعب حقوقه وواجباته ومصالحه الحقيقية

ومن هنا أرى أن المرحلة الحالية تحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات والتصريحات وهو إطلاق حملة توعية حقيقية للمواطن المصري حول ملف سد النهضة تقدم المعلومات بصورة مبسطة وتشرح للمواطن معنى الملء والتشغيل والتصرفات المائية وسنوات الجفاف وتأثيرها على مصر وتوضح ما تقوم به الدولة المصرية من تحركات دبلوماسية وقانونية وفنية بعيدًا عن الشائعات والمبالغات

وفي الوقت نفسه يمكن أن تكون هناك رسالة مصرية هادئة ومباشرة إلى الشعب الإثيوبي عبر الإعلام والمنصات الدولية تقول إن مصر لا تعادي التنمية الإثيوبية ولا تريد حرمان المواطن الإثيوبي من الكهرباء وإنما تريد اتفاقًا يضمن أن تصل التنمية إلى المواطن الإثيوبي دون أن تكون على حساب المواطن المصري أو السوداني

ويمكن أن يكون المقترح الأهم في هذه المرحلة هو الانتقال من حالة الخطاب المتبادل إلى مبادرة إقليمية للشفافية والتعاون المائي تقوم على تبادل البيانات بشكل منتظم ووجود آلية واضحة للتنسيق خلال سنوات الجفاف وإنشاء قنوات اتصال فنية دائمة بين الدول الثلاث وإتاحة المعلومات الأساسية للرأي العام بما يمنع انتشار الشائعات ويجعل المواطن يعرف الحقيقة من مصادرها

كما يمكن أن تمتد المبادرة إلى التعاون في مجال الطاقة بحيث تبحث الدول الثلاث عن مشروعات مشتركة تحقق التنمية وتسمح بتبادل الكهرباء والاستفادة من الإمكانات المائية والطاقة المتجددة بما يجعل النيل جسرًا للتعاون وليس سببًا للصراع

فالاختيار الحقيقي أمام دول حوض النيل ليس بين التنمية أو المياه

بل بين تنمية تقوم على التعاون وتحفظ حقوق الجميع وتنمية أحادية قد تخلق أزمات مستمرة

وأمامنا فرصة لأن يتحول هذا الملف من أزمة ممتدة إلى نموذج إقليمي للتعاون إذا توفرت الإرادة السياسية والشفافية والاحتكام إلى القانون والبيانات العلمية

وفي النهاية يجب أن تصل رسالة واضحة إلى المواطن المصري

لا تخف من السؤال واعرف الحقيقة واعرف لماذا تتمسك دولتك بحقوقها واعرف أن حماية المياه لا تعني العداء لشعب آخر

كما يجب أن تصل الرسالة نفسها إلى المواطن الإثيوبي

اسأل حكومتك عن الكهرباء التي وعدك بها السد واسألها عن العائد الذي وصل إليك من المشروع واسألها كيف يمكن أن تتحقق التنمية مع الحفاظ على حقوق جيرانك

وأقترح أن تكون المرحلة القادمة بداية لمسار جديد عنوانه الشفافية بدلًا من الغموض والتعاون بدلًا من التصعيد والاتفاق بدلًا من الأمر الواقع

أن تجتمع الدول الثلاث حول طاولة واحدة ليس تنازلًا من أحد عن حقوقه وإنما هو احترام لحقوق الجميع

أن نتبادل البيانات ليس ضعفًا وإنما مسؤولية

أن نتفق على قواعد واضحة للتشغيل في الظروف الطبيعية وسنوات الجفاف ليس انتصارًا لدولة على أخرى وإنما انتصار لفكرة أن الشعوب تستحق أن تعيش آمنة على مواردها

فالنيل يجب ألا يكون سببًا للخلاف بين الشعوب وإنما يمكن أن يكون فرصة تاريخية للتعاون والتنمية

والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام الجميع ليس فقط أين ذهبت الكهرباء

بل السؤال الأكبر: من يضمن أن يبقى النيل مصدر حياة للجميع

وهنا يبدأ دور الدولة ودور المؤسسات ودور الإعلام ودور المواطن في أن يتحول ملف سد النهضة من قضية يسمع عنها الناس إلى قضية يفهمونها ويعرفون تفاصيلها ويتابعونها من مصادرها

لأن الوعي بالمياه هو أول خطوط الدفاع عنها

ولأن الحق الذي لا يعرفه صاحبه قد يصعب عليه أن يحميه

ولأن النيل ليس ملكًا لجيل واحد

النيل أمانة في أعناقنا جميعًا ومسؤولية اليوم أن نحمي حق الأجيال القادمة فيه بالحكمة والعلم والقانون والتفاوض والوعي.

search