السبت، 07 نوفمبر 2026

12:49 م

السبت، 07 نوفمبر 2026

12:49 م

تذكرة العودة والهبوط الأخير.. رحلة مصر لاستعادة "الأفاعي المهاجرة"

رحلة مصر لاستعادة "الأفاعي المهاجرة"

رحلة مصر لاستعادة "الأفاعي المهاجرة"

في الثلاثين من يونيو عام 2013، غادر ملايين المصريين منازلهم وسكنوا الشوارع دون تحديد موعد للعودة، احتشدوا في الميادين ودوى الهٌتاف أرجاء المحروسة بمطلب واحد: يسقط يسقط حكم المرشد. في إصرار على رحيل نظام جماعة الإخوان عن سٌدة الحكم.

وفي الثالث من يوليو جاءت الاستجابة للمطالب، وقتها وقف الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، يلقي بيانًا هامًا عقب اجتماع مطول مع القوى السياسية والرموز الدينية والوطنية، وأعلن رسميًا سقوط نظام الإخوان، وتلك لم تكن النهاية بل البداية.

البداية: سلسال الدم

من يونيو 2013 وحتى أغسطس من نفس العام، نصب الإخوان والتيارات الإرهابية خيامهم في ميداني رابعة العدوية بالقاهرة والنهضة بالجيزة، وفي أعقاب إعلان رحيل محمد مرسي ونظام الإخوان بدأت القصة الحقيقية.

شهدت مصر مئات العمليات الإرهابية خلال تلك الفترة وما تلاها من سنوات، في الوقت الذي كان الاعتصامان منصتين للتكفير والترهيب، فها هو ذا محمد البلتاجي القيادي الإخواني يقف ويقول: "إن هذا الذي يحدث في سيناء ردًا على الانقلاب العسكري يتوقف في الثانية التي يعلن فيها عبد الفتاح السيسي عودة الرئيس محمد مرسي إلى سلطاته".

وترى صفوت حجازي القيادي الإسلامي يقول: "الرئاسة المصرية دونها الرقاب، واللي هيرشّ مرسي بالماية هنرشه بالدم"، وتسمع حشود للٌحى تصرخ: "هنفجّر مصر ونحوّلها لساحة حرب وننشر السيارات المفخخة والانتحاريين في كل مكان".

المعركة: سنوات التفجير والتكفير

صدق الإخوان والجماعات الإرهابية فيما توعّدوا وهدّدوا، وبدأت رحلة العمليات الإرهابية تطال كل شبر في مصر، من حرق للكنائس ودور العبادة، لاستهداف الكمائن الأمنية، لاغتيالات المسؤولين وخطط لاغتيال رموز دينية ووطنية.

سعى الإخوان ومنْ والاهم في إحداث فوضى عارمة في مصر، واستهدفوا المدنيين ورجال الجيش والشرطة، وتحوّلت سيناء إلى ساحة حرب ضروس، في الوقت الذي دفعت مصر الثمن باهظًا من أجل التحرير والتطهير.

هرب غالبية القادة للجماعة الإرهابية إلى الخارج تاركين التابعين خلفهم في مصر لتنفيذ العمليات والمخططات، وأخذوا في مهجرهم يخططون ويُمولون ويحضرون من أجل تنفيذ ما يصبون إليه، لكن ثمة يد طولى وثأر لا يقبل الغفران يلاحقهم.

88
هرب غالبية القادة للجماعة الإرهابية إلى الخارج تاركين التابعين خلفهم في مصر

تذكرة العودة: الرحلة الأخيرة ومصر التي لا تتصالح

ظلت القاعدة الأولى في العقيدة الوطنية: لا ملاذ آمن لمن سفك الدماء، وظل الهدف الأول: سقوط أمراء العنف وتابعيهم من أجل لحظة الحساب، لذلك تهاوت أحجار الجماعات الإرهابية على رقعة شطرنج العقيدة الوطنية.

بدأت مصر رحلة ملاحقة كل المتورطين في أعمال العنف التي شهدتها البلاد، وأبواق الإرهاب الهاربين للخارج أو المقيمين فيه من عناصر التنظيم الدولي.

يشرح اللواء تامر الشهاوي، ضابط الاستخبارات العسكرية السابق، كيف هرب عناصر التنظيمات الإرهابية وما هي الملاذات الآمنة وقتها؟.

بحسب الشهاوي، في تصريحات خاصة لـ"تليجراف مصر"، تم الهروب في 3 موجات رئيسية، كانت الموجة الأولى في 2011 عبر الأنفاق إلى غزة، وعبر الدروب الصحراوية إلى ليبيا والسودان، والموجة الثانية كانت بعد فضّ اعتصامي رابعة والنهضة، إذ هرب قيادات الصفين الثاني والثالث بتأشيرات سياحية وجوازات سفر سليمة إلى تركيا وقطر كمحطتين أساسيتين، ثم إعادة توزيعهم إلى لندن وبعض دول أوروبا وأمريكا. أما الموجة الثالثة، كانت هروب عناصر مسلحة إلى ليبيا وهناك انضموا لتنظيمات إرهابية قائمة بالفعل.

وأضاف أن الملاذات الآمنة في تلك الحقبة كانت معروفة إعلاميًا: تركيا، وقطر، والسودان في عهد البشير، وقطاع غزة تحت حكم حماس، وليبيا كساحة مفتوحة.

في أغسطس عام 2013، استردّت مصر أول دفعة من المتهمين، إذ رحّلت السلطات الكويتية 9 مصريين تظاهروا أمام القنصلية المصرية بالبلاد، ورفعوا شعارات عدائية وهتافات متطرفة.

في الربع الأول من عام 2014، تسلّمت مصر القيادي الإخواني أكرم الشاعر من السلطات السعودية، كما تسلمت من الكويت القيادي محمد القابوطي، المتهمين في قضية أعمال العنف ببورسعيد واقتحام قسم شرطة العرب وقتل 5 مواطنين، ومن الإمارات تسلمت مصر جمال عبد الله دبا.

33
القيادي الإخواني أكرم الشاعر

التواجد الإخواني في الإمارات ليس كباقي الدول العربية، إذ أن الجماعة لم تحظَ بنفوذ كبير هُناك، وفي هذا الصدد، يقول ضرار بالهول الفلاسي، العضو السابق في المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، إن تواجد الإخوان في الإمارات كان مرتبطًا بجمعية "الإصلاح"، من خلال التقارير البحثية، في حين يصف الموقف الرسمي الإماراتي هذه الجمعية بأنها الذراع المجتمعي المحلي لتنظيم الإخوان.

يتابع الفلاسي في حديثه لـ"تليجراف مصر": "وأقول بوضوح: الدولة التي تحترم نفسها لا تسمح لأي جماعة، مهما غلّفت خطابها بالشعارات، بأن تتصرف كتنظيم فوق المجتمع أو كبديل عن مؤسسات الوطن. من أراد العمل العام، فبابه القانون والدستور والمؤسسات، لا البيعة السرية ولا التنظيمات الموازية ولا توظيف الدين في الصراع على السلطة".

الإنتربول يتحرك: أوروبا نقطة حصينة وتعاون عربي لافت

اللواء مجدي الشافعي، مدير الإنتربول المصري آنذاك، أوضح كيفية تسليم القابوطي والشاعر، إذ قال إن القابوطي ألقي القبض عليه في الكويت بناء على قرار الإنتربول المصري، فيما تم إخطار السعودية بوجود الشاعر على أراضيها وألقي القبض عليه، مشيرًا إلى أن المملكة والكويت والإمارات من أكثر الدول تعاونًا مع مصر في تسليم الهاربين.

اللواء مجدي الشافعي
اللواء مجدي الشافعي

الشافعي قال في تصريحات صحفية، إن هناك أكثر من 150 شخصية هربوا من مصر عقب ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، ومعظمهم توجهوا إلى إنجلترا وفرنسا وإسبانيا لعدم وجود اتفاقيات تسليم هاربين مع مصر.

وأشار إلى أن هناك 28 قيادة إخوانية ومتطرفة متواجدين بقطر، أبرزهم: طارق الزمر وعاصم عبد الماجد ويحيى حامد، والدوحة رفضت تسليمهم لعدم وجود اتفاقية مشتركة، أو حتى بعد اللجوء لاتفاقيات تبادل الهاربين بجامعة الدول العربية.

في أعقاب الإطاحة بتنظيم الإخوان من سُدة الحكم في مصر، لم تكن الإمارات غافلة عن مخاطر التنظيمات السرية، وعالجت ما اعتبرته تهديدًا لأمنها وسيادتها عبر المؤسسات الأمنية والقضائية. هكذا يتحدث الخبير الإماراتي ضرار بالهول الفلاسي.

555
ضرار بالهول الفلاسي

يشير الفلاسي، إلى أن المتاح "علنًا" يتضمن قضايا ومحاكمات في عامي 2013 و2014 مرتبطة بالإخوان، وواجهوا اتهامات بإنشاء تنظيم غير قانوني والإضرار بأمن الدولة. كما اعتمد مجلس الوزراء في نوفمبر 2014 قائمة تنظيمات إرهابية تضمنت "تنظيم وجماعة الإخوان المسلمين" و"جماعة الإخوان المسلمين الإماراتية ــ دعوة الإصلاح (جمعية الإصلاح)"، تطبيقاً لقانون مكافحة الجرائم الإرهابية.

ويتابع: "لذلك فإن التعبير الأدق هو أن الإمارات واجهت التنظيمية السرية بالحزم المؤسسي. لم تنتظر حتى تتحول الأفكار المتطرفة إلى عنف أو فوضى، ولم تسمح بأن تكون أراضيها ساحة لبناء شبكات ولاءات خارج إطار الدولة. هذه دولة قانون، ومن يعتقد أن الشعارات تمنحه حصانة من المساءلة فهو يسيء قراءة الإمارات وتاريخها ومؤسساتها".

فيما يتعلق بالتعاون المصري الإماراتي لاسترداد العناصر المتطرفة، يقول الفلاسي إن مصر والإمارات تربطهما شراكة استراتيجية راسخة، ومواجهة الإرهاب والتطرف جزء أصيل من هذه الشراكة. وقد أكد البيان الختامي للزيارة الرسمية للرئيس المصري إلى الإمارات في نوفمبر 2019 التزام البلدين بالتعاون من أجل مكافحة التطرف والإرهاب. وهذه الشراكة ليست موجهة ضد أشخاص لذواتهم؛ بل هي دفاع عن أمن الدول، وعن حق الشعوب في الاستقرار، وعن مبدأ واضح هو أن الحدود لا ينبغي أن تصبح ملاذاً لمن يتهرب من المساءلة القانونية.

واستكمل: “ومع ذلك، يجب أن نكون دقيقين: أي تعاون في الملفات الفردية تحكمه الإجراءات القانونية والقضائية وقنوات الإنتربول والتعاون الدولي، لا الروايات المتداولة أو العناوين المثيرة. لا يصح أن يقال إن شخصاً سُلِّم أو أُدين أو نُسب إلى تنظيم معين إلا استنادًا إلى بيان رسمي أو حكم قضائي معلن”.

يرى الفلاسي التعاون المصري الإماراتي في هذا الشأن، تعاونًا استراتيجيًا بين دولتين تدركان أن الإرهاب ليس مشكلة تخص بلدًا واحدًا، وأن التنظيمات المتطرفة تستفيد من الفراغ السياسي والانقسام والتمويل غير المشروع والدعاية التي تستهدف عقول الشباب. وما يجمع القاهرة وأبوظبي هو الإيمان بأن الدولة الوطنية ومؤسساتها هي صمام الأمان، وأن ترك الساحة للميليشيات أو التنظيمات المؤدلجة أو المنابر المحرضة لا يصنع حرية ولا ديمقراطية؛ بل يصنع فوضى وخرابًا وانقسامًا.

لذلك يرى الفلاسي، أن الهجوم الإخواني على الإمارات ليس لغزًا، لأن الدولة رفضت أن تمنح التنظيمات العابرة للحدود شرعية أو مساحة تتحرك فيها فوق القانون، ورفضت استغلال الدين لأغراض تنظيمية وسياسية، ورفضت أن يصبح المجتمع منصة للتجنيد أو التحريض أو صناعة ولاءات موازية. وعندما تفقد جماعة ما قدرتها على النفاذ إلى الدولة والمجتمع، فإنها غالبًا ما تحوّل الدولة نفسها إلى هدف لحملاتها الإعلامية.
لبنان تظهر في الصورة

في 2014 أيضًا، سلمت السلطات اللبنانية، القياديين الإخوانيين:  مختار العشري، رئيس اللجنة القانونية لحزب الحرية والعدالة، ومسعد البربري، مدير قناة "أحرار 25" التابعة للتنظيم، بعد القبض عليهما بمطار بيروت، والمطلوبين على ذمة قضايا إرهاب.

666
مختار العشري ومسعد البربري

وجود اسم لبنان في قائمة الدول التي لجأ إليها الإخوان كان غريبًا بعض الشيء، فبحسب طارق البشبيشي، القيادي السابق في تنظيم الإخوان، فإن تواجد الجماعة في لبنان ضعيف جدًا وغير مؤثر.

البشبيشي الذي قضى 3 عقود داخل الجماعة، قال في تصريحات خاصة إن الحكومة المصرية على اتصال دائم بنظيرتها اللبنانية، وهناك تنسيق على أعلى مستوى، ساهم في إلقاء القبض على قيادات الجماعة التي تواجدت في الأراضي اللبنانية.

عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، اختلف مع طارق البشبيشي، إذ قال إن جماعة الإخوان في لبنان تعرف باسم الجماعة الإسلامية، وتأسست عام 1964.

فاروق تحدث إلينا وذكر أن إخوان لبنان شكلوا جناحًا مسلحًا تحت مسمى "قوات الفجر" في عام 1982 ودخلوا في شركات مع حزب الله وحركة حماس وتنظيم الجهاد، ويعتبر فتحي يكن أول مراقبًا عامًا للجماعة. وعقب 30 يونيو اقتصر دورها في نقد المشهد المصري من خلال بيانات مناهضة للقوات المسلحة المصرية، وداعمة لجماعة الإخوان.

ثم جاء أكتوبر عام 2015، وآنذاك تسلمت مصر عمر عبد الرحمن مبروك، من السلطات الكويتية على ذمة تورطه في أعمال عنف. وفي مارس 2016، سلمت السلطات السعودية لنظيرتها المصري، شريف عاصم البسيوني، ومحمد جمعة، لتنفيذ أحكام بقضايا إرهاب.

في ديسمبر 2016، قال العميد حسن أبو العلا، مدير الإنتربول المصري، في تصريحات صحفية، إنه تم إصدار 386 نشرة حمراء للمطلوبين في الخارج.

بحسب مدير الإنتربول المصري، فإن عدد العناصر الإرهابية المتواجدة بالخارج آنذاك، كان 235 عنصرًا، وخلال عامي 2015 و2016، تسلمت مصر 98 شخصًا متهمين بقضايا إرهابية وجنائية.

خريطة الدم: هنا يعيش التنظيم الدولي

في عام 2016 أشارت تقارير بحثية إلى أن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان عزز تواجده في 85 دولة حول العالم، سواء في حركات ومؤسسات تابعة بشكل كامل، أو مرتبطة فكريًا ولوجستيًا بالتنظيم.

عقب رحيل جماعة الإخوان عن قصر الاتحادية وتفكك سيطرتهم على مفاصل الدولة، شرعوا في الهروب إلى دول لهم تواجد بها. فما هي خريطة تواجد الإخوان عالميًا؟

جماعة الإخوان المسلمين
جماعة الإخوان المسلمين

بعد الوطن الأم مصر، عزز الإخوان تواجدهم في عدة دول عربية مثل سوريا وفلسطين والأردن والجزائر وقطر وليبيا والكويت والسودان وتونس.

في السعودية كان للإخوان مكتب هناك قبل أن يتم تصنيفهم جماعة إرهابية في مارس 2014، وهو نفس التاريخ تقريبا التي اختفت تمامًا من الوجود في الإمارات، وتجمعها ارتباطات فكرية كبيرة بحركات في لبنان والعراق واليمن وموريتانيا والمغرب والصومال.

للإخوان موطأ قدم في نيجيريا من خلال جماعة "تعاون مسلمي نيجيريا" التي تأسست عام 1994، ونفس الحال في السنغال من خلال جماعة "عباد الرحمن"، فضلا عن تواجد مالي وفكري في جنوب إفريقيا التي استضافت العديد من قيادات الجماعة.

على صعيد آسيا تُعد ماليزيا موطأ قدم كبير للإخوان إذ يعتبر الحزب الإسلامي هناك انعكاس في مرآة أفكار الجماعة، مثلما تتواجد في باكستان وبنجلاديش وإندونيسيا وأفغانستان، سواء بحركات متوافقة مع الفكر الأساسي للجماعة أو بأنشطة دعوية وخيرية.

لم تكن أوروبا بعيدة عن أعين التنظيم الدولي، إذ يتواجد الإخوان في 13 دولة أوروبية، لعل أبرزها بريطانيا التي تحتضن أبرز القادة الدوليين وتعتبر مركزًا لصناعة القرار والمال.

في المرتبة الثانية تأتي تركيا، التي تحولت إلى ملاذ آمن زحف إليه آلاف الهاربين من مصر ودول أخرى من أعضاء التنظيم، إذ وفرت لهم أنقرة حماية عالية وسمحت لهم بممارسة أنشطتهم ضد مصر لسنوات طويلة قبل أن تنهي سنوات الخصام مع مصر في 2022.

في ألمانيا تواجد الإخوان منذ الخمسينات من خلال سعيد رمضان، أسست جمعيات خيرية ودعوية عديدة، وهذا ما حدث في أستراليا والبوسنة والهرسك وفرنسا والدنمارك وفنلندا والسويد وإيطاليا وإسبانيا.

بعيدًا عن أوروبا، يتواجد الإخوان في أمريكا عبر رابطة الشبان المسلمين، فضلا عن تواجدهم في أمريكا الجنوبية من خلال رجال الأعمال غير المصريين أعضاء التنظيم الدولي.

من جانبه، أوضح القيادي السابق في الجماعة، طارق البشبيشي، أنه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وفي خضم صدام التنظيم مع الدولة المصرية، فر عدد كبير من قيادات الجماعة إلى دول الخليج العربي وأوروبا.

طارق البشبيشي
القيادي السابق في جماعة الإخوان طارق البشبيشي

وبين البشبيشي، أن قيادات التنظيم قروا إلى الكويت والسعودية وقطر والإمارات وألمانيا وكثير من الدول الأوروبية، وعلى حد وصفه كان ذلك بعلم ومساعدة المخابرات البريطانية والأمريكية.

فتحت دول الخليج أبوابها لقيادات الإخوان، وأغدقت عليهم أموالها وعينتهم في وظائف مهمة ومكنت لهم نكاية في نظام جمال عبد الناصر الذي كانوا يخشونه، فكون التنظيم أموالا بلا حدود في تلك الدول، وكون على استحياء تنظيم إداري سري ولكن بعض الدول لم تقبل بذلك مثل الإمارات وقامت بالتضييق عليهم وطرد كثير منهم، بحسب وصف طارق البشبيشي.

قيادي الإخوان السابق قال إن السعودية لم تدرك خطورة الإخوان إلا متأخرًا، فاتخذت إجراءات قاسية وفعالة جدًا ضد تواجدهم في أراضي المملكة، وكان ذلك في أعقاب ثورة 30 يونيو.

2018: الإمام المتطرف وإرهابي ألبانيا

كانت عملية ملاحقة أعضاء التنظيم المتورطين في الإرهاب والعنف صعبة للغاية، لكنه في أغسطس من العام 2017، وصل إلى مصر: أحمد عبد الموجود خضيري، وعلي حمودة حسن، بعد أن سلمتهم السلطات الكويتية للقاهرة، وكانا مطلوبين في القضية رقم 4903 جنايات سوهاج، وصدر ضدهما حكم بالسجن المشدد 10 سنوات بتهم القتل العمد واستعراض القوة.

بعد ذلك وفي نوفمبر 2017، رحلت الإمارات مصعب أحمد عبد العزيز، نجل مستشار مرسي السابق، لتنفيذ حكم بسجنه 3 سنوات.

في مارس 2018 حاول الإخوان عبر حركة "حسم" اغتيال اللواء مصطفى النمر مدير أمن الإسكندرية، وبعد تلك العملية الفاشلة بليلة واحدة بالتحديد فجر يوم 25 مارس، أعلنت وزارة الداخلية كشف هوية البؤرة الإرهابية المتورطة في الحادث، التي كان يتزعمها باسم محمد إبراهيم جاد، الهارب في الخارج.

المتهمون بمحاولة اغتيال مدير أمن الإسكندرية
المتهمون بمحاولة اغتيال مدير أمن الإسكندرية

وفي مايو من 2018، أي بعد المحاولة بقرابة 3 أشهر، تسلمت مصر باسم محمد إبراهيم جاد من السلطات السودانية عقب ترحيله.

في نفس العام، وبالتحديد يونيو 2018، تسلمت مصر من السلطات الإسبانية، علاء محمد سعيد، الذي كان يعمل إمامًا بمسجد الفردوس في لوجرونيو شمال إسبانيا ويرأس الاتحاد الإسلامي للأئمة والمرشدين هناك، واتهمته السلطات المحلية بالانتماء إلى الإخوان وتبني أفكار متطرفة.

يقول عمرو فاروق، إن السلطان الإسبانية ألقت القبض على "علاء" الذي ينتمي للإخوان وفق صحيفة "لاريوخا" الإسبانية، بعد أن تتبعت نشاطه الدعوي ورصدت ترويجه لأفكار تكفيرية، فضلا عن تجنيد مراهقين للجهاد والتأثير في قناعاتهم الدينية، لذلك أصدر خوسيه أنطونيو نييتو، مرسومًا بإبعاده خارج البلاد، ثم تم تسليمه لمصر.

علاء محمد سعيد، الذي كان يعمل إمامًا بمسجد الفردوس
علاء محمد سعيد الذي كان يعمل إمامًا بمسجد الفردوس

أما في يوليو 2018، تسلمت مصر من ألمانيا، سيد عجمي، أحد المدانين في قضية تنظيم العائدون من ألبانيا. وفي سبتمبر نفس العام تسلمت مصر من السعودية 3 متهمين آخرين هم: عمر عبد الفتاح، ومصطفى حيدر، وبلال قناوي.

عن سيد عجمي، يشير عمرو فاروق، إلى أنه المتهم رقم 80 في قضية العائدون من ألبانيا، وحصل على حكم غيابي بالسجن 10 سنوات، وبعد ثورة يناير 2011 عاد إلى مصر، وألقي القبض عليه وسجنه، قبل أن يحصل على عفو رئاسة ضمن عدد كبير من القيادات المتطرفة في عهد محمد مرسي، ثم سافر إلى الخارج وتم وضع اسمه في قائمة النشرة الحمراء للإنتربول، قبل أن تتسلمه مصر.

2019: عشماوي وشوشة وتركيا وخلية الكويت

شهد عام 2019 ترحيل الكثير من المطلوبين لمنظومة العدالة المصرية من المتورطين في قضايا إرهابية، كانت البداية في الأسابيع الأولى من ذلك العام، حيث تم ترحيل محمد عبد الحفيظ حسين، إلى مصر من تركيا.

عبد الحفيظ
الإرهابي الإخواني محمد عبد الحفيظ حسين خلال رحلة ترحيله إلى مصر

عبد الحفيظ وصل إلى مطار إسطنبول قادمًا من الصومال، إلا أنه لم يكن يحمل تأشيرة دخول البلاد، فتم ترحيله إلى مصر. وهو محكوم بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام هشام بركات.

أما في مارس 2019، وصل إلى القاهرة كل من: محمد عبد العزيز فتحي، وعبد الرحمن عبد العزيز أحمد، وعبد الله محمد هشام، وعزمي السيد محمد، وكلهم رحلتهم ماليزيا إلى القاهرة، لصدور أحكام بالمؤبد ضدهم.

يوضح عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، إلى أن الإخوان في ماليزيا يمثلهم الحزب الإسلامي، الذي تأسس في نوفمبر 1951، ليجمع مختلف التنظيمات الإسلامية هناك. وأصبح الحزب بمرور الزمن من بين القوى السياسية الفعالة والمهمة.

بعد واقعة ماليزيا بشهر، بالتحديد يوم 10 أبريل، سلمت السلطات البحرينية لنظيرتها المصرية، القيادي الإخواني علي عبد الرحمن، المتهم في عدة قضايا بمصر. وفي يونيو سلمت الإمارات الإرهابي أيمن شوشة.

أيمن شوشة كان كتب منشورًا على صفحته في فيس بوك يعلن فيه فرحته بهجوم نفذته داعش على كمين البطل 14 بسيناء، وكتب احتفالا باستشهاد المصريين: "أحلى عيدية دي ولا إيه"، ثم تم ترحيله لمصر.

أيمن شوشة
الإرهابي أيمن شوشة

وفي يوم الثلاثاء 28 مايو 2019 ، وحيث كانت تشير عقارب الساعة إلى الثانية عشر بعد منتصف الليل،  هبطت بمصر الطائرة رقم 1289 التي كان على متنها قوات «GIS» التابعة لجهاز المخابرات العامة المصرية، وبحوذتهم صيد ثمين.

الصيد الثمين للغاية كان الإرهابي هشام عشماوي، الذي ألقي القبض عليه في ليبيا رفقة ذراعه اليمنى بهاء كشك.

لم يكن هشام عشماوي مجرد شخص متطرف، بل وضع على قائمة أخطر الإرهابيين في شمال إفريقيا، والذي نفذ العديد من العمليات الإرهابية ضد الدولة المصرية.

الإرهابي الإخواني عشماوي
الإرهابي هشام عشماوي

وفي يوليو عام 2019، رحلت الكويت أعضاء خلية إخوانية إرهابية ألقي القبض عليهم في أثناء التخطيط لتنفيذ عمليات ضد مصر.

أعضاء الخلية كانوا: فالح حسن محمد، ووليد سليمان محمد، وناجح عوض بهلول، وأبو بكر عاطف السيد، ومؤمن أبو الوفا متولي، عبد الرحمن إبراهيم عبد المنعم، وعبد الرحمن محمد عبد الرحمن، وحسام محمد إبراهيم.

أعضاء خلية
أعضاء خلية إخوانية إرهابية

2020: غسيل أموال الإخوان

في عام 2020، سلمت السلطات الكويتية نظيرتها في القاهرة، 3 عناصر إخوانية متورطين في "خلية الكويت الإرهابية" التي رُحل 8 منها إلى مصر في 2019.

المتهمين الثلاثة كانوا: خالد محمود المهدي، وإسلام عيد الشويخ، ومحمد عبد المنعم. ويعتبر المهدي المسؤول الأول عن عمليات غسيل أموال الجماعة وإعادة إرسالها لعناصر الجناح العسكري في مصر.

الثلاثة كانوا من أعضاء التنظيم المسلح ويعملون تحت إمرة يحيى موسى الهارب إلى تركيا، وألقي القبض عليهم قبل محاولة الفرار إلى تركيا.

السرية أساس عمل التنظيم الخاص التابع لجماعة الإخوان، بحسب طارق البشبيشي، الذي وصفه بأنه تنظيمًا يعمل في الظلام ويعتقد مبدأ التقية ويخدع الجميع.

يرى البشبيشي، أن العنف المسلح عند الجماعة ثابت ولكن لا يمارس في كل وقت، ففي بعض الأوقات يكون عنفًا مؤجلاً، ولكن يبقى الإيمان به في عقل كل إخواني وينتظر اللحظة المناسبة التي يحمل فيها السلاح ضد المجتمع الذي يعيش فيه.

القطبيون: حقيقة أم خديعة؟

كان يٌشار دائمًا إلى أن العناصر التي ألقت مصر القبض عليها، أو تلك المطلوبة، هم قطبيون، في إشارة إلى اتباع نهج سيد قطب المتطرف، ويشكلون جناحًا جديدًا مسيطرًا داخل الجماعة، في مقابل جناح أكثر هدوءا ويلتزمون بأفكار حسن البنا.

قضى طارق البشبيشي، 30 سنة داخل الجماعة، لذلك يرفض تلك الإشارة، حيث يره أنه من الخطأ التفريق بين أفكار حسن البنا وأفكار سيد قطب، مبينًا أن هذا التفريق تروج له الجماعة بهدف لفت الانتباه عن خطورة حسن البنا وخطورة أفكاره. والهدف من ذلك إعادة تدوير حسن البنا ومن ثم إعادة إحياء الجماعة بزعم انحراف القطبيون عن المنهج الدعوي لحسن البنا.

3333
حسن البنا وسيد قطب

يضيف البشبيشي: "علينا ألا ننخدع بذلك وعلينا ألا ننسى من الذي أسس أول تنظيم مسلح للإخوان، أليس حسن البنا؟ ألم يغتال هذا التنظيم الذي أسسه البنا رئيس وزراء مصر علاوة على جرائم عدة ارتكبها هذا التنظيم بمباركة البنا ودعمه؟ حسن البنا رائد التكفير والعنف وأكمل سيد قطب مسيرته".

يشير القيادي السابق في الإخوان، إلى أنه علينا أن ندرك السبب الحقيقي لنشأة الجماعة على يد المستعمر البريطاني، والذي كان إضعاف الدول العربية وتمزيق مجتمعاتها والحيلولة دون قيام أي نهضة مصرية وعربية. الجماعة تأسست لمحاربة الدولة الوطنية في مصر والبلدان العربية، مضيفًا: "علينا أن ننظر بإمعان لتجربتهم في الحكم في البلاد التي ابتليت بهم.. مزقوا سوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن وفلسطين وكادوا أن ينجحوا في مصر لولا صلابة الجيش ووعي الشعب".

2022: هبوط اضطراري وضربة السودان

في يناير 2022 كانت طائرة سودانية تتجه إلى تركيا لكنها تهبط إضطراريًا في مطار الأقصر الدولي، ويصعد رجال أمن على متنها ليلقوا القبض على عنصر إرهابي من حركة حسم، متورطًا في العديد من الجرائم.

الإرهابي كان حسام منوفي سلام، أحد أبرز أعضاء حركة حسم "الجناح العسكري للإخوان" ومتهم في عدة قضايا إرهابية.

منوفي
الإرهابي حسام منوفي سلام أحد أبرز أعضاء حركة حسم "الجناح العسكري للإخوان"

وفي مارس 2022، رحلت السلطات السودانية، وضاح هشام نور الدين، إلى مصر، لصدور أحكام ضده باعتباره أحد أبرز عناصر اللجان النوعية والتنظيم المسلح في جماعة الإخوان، والذي حاول الهروب إلى تركيا قبل القبض عليه.

كان اسم يحيى موسى حاضرًا بقوة في كل تلك الضبطيات، فالرجل يشار إليه بأنه أخطر رجال الجماعة في الوقت الحالي ومسؤول تنظيمها المسلح، والذي يحاول تقديم نفسه باعتباره سياسيًا من خلال حركة "ميدان".

يقول البشبيشي، إن حركة ميدان وغيرها من الحركات التي تعلن صراحة انتهاج العنف والإرهاب، هي حركات إخوانية تقوم بما كلفتها به الجماعة في لعبة توزيع الأدوار. والوجه الحقيقي للجماعة تعبر عنه تلك الحركات الإرهابية وبقية التنظيم يقوم بأعمال سرية أخرى لا تقل خطورة عن جرائم يحيى موسى وقبله محمد كمال وقبلهم سيد قطب وقبلهم أجمعين حسن البنا.

سنوات التيه والتتبع والحماية

"ما يمكن قوله بشكل معلن وبدون الدخول في أسرار عمل الأجهزة، كان هناك دعم سياسي وإعلامي ومادي واضح من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبعض الدول الإقليمية للإخوان كنظام حكم، وهذا كان معلن". هكذا رأى اللواء تامر الشهاوي، الضابط السابق بالاستخبارات العسكرية وعضو مجلس النواب الأسبق، السر وراء قوة الجماعة آنذاك وإيجادها ملاذات آمنة بسهولة.

في حديث الشهاوي لنا، قال إنه على المستوى الاستخباراتي، كل التقارير الدولية المحايدة تحدثت عن وجود تنسيق بين تنظيم الإخوان الدولي وبعض أجهزة الاستخبارات العالمية والإقليمية لاستخدام مصر كمركز نفوذ.

يرد الضابط المصري السابق، على مزاعم تهم الإرهاب كانتقام سياسي، مؤكدًا أن الدولة المصرية لم تتهم أحدًا بشكل عشوائي، لكن بعد 30 يونيو ظهر حجم التشابك بين التمويل الخارجي والتحرك الداخلي للجماعة.

وحول ما إذا كانت هناك ملاذات آمنة في الوقت الحالي، يقول الشهاوي: "لا يوجد هارب بمأمن بشكل مطلق. الملاحقة تتم عبر مسارات قانونية وأمنية معلنة دوليًا.. المسار القانوني نشرات حمراء عن طريق الإنتربول، وطلبات تسليم مجرمين عبر اتفاقيات التعاون القضائي. والمسار الاستخباراتي متابعة النشاط، الرصد الإلكتروني، وتتبع شبكات التمويل. أي عنصر يمارس نشاط معاد من الخارج يظل مرصودًا. ثم المسار الدبلوماسي عبر الضغط على الدول التي تأوي هذه العناصر لعدم استخدام أراضيها كمنصة ضد مصر".

الشهاوي يشير إلى أن أي تنظيم يفقد حاضنته الداخلية ويعيش في الخارج لابد أن يبحث عن ممول وحامي. المنطق الاستخباراتي يقول إن بقاء تنظيم في الخارج لسنوات بهذا الحجم الإعلامي والمالي لا يمكن أن يتم بدون غطاء من أجهزة. وهذا ليس اتهامًا لشخص بعينه، بل توصيف لحالة مخابراتية تدرس في كل أكاديميات العالم.

ويفند أشكال التعاون الذي يأخذ أشكال مختلفة مثل: توفير ملاذ، تسهيلات بنكية، منصات إعلامية، تدريب على حرب المعلومات، وتوظيفهم لجمع معلومات عن الجالية المصرية في الخارج.

يوضح الضابط السابق، أن الدولة المصرية تتعامل مع هذا الملف بهدوء شديد واحترافية، والهدف الأساسي ليس الانتقام، بل منع الخطر عن الداخل وتجفيف مصادر التمويل والتجنيد. متابعًا: "هختم كلامي بجملة عايز كل الناس تعرفها: حجم ما سمح بنشره أو سرده لا يتجاوز 1% من حجم المعلومات والتحديات والمخاطر التي تم مواجهتها خلال تلك الفترة الصعبة جدًا".

أخيرًا وليس آخرًا: عبد الونيس والمجهول

في مارس 2026، أعلنت وزارة الداخلية، استعادة القيادي الإخواني علي محمود عبد الونيس، أحد أبرز المسؤولين بحركة حسم "الذراع العسكري للإخوان.

عبد الونيس ألقي القبض عليه في نيجيريا بعدما غادر تركيا إليها، قبل أن توقفه السلطات المحلية ويتم ترحيله إلى مصر.

عبد الونيس
القيادي الإخواني علي محمود عبد الونيس

يقول طارق البشبيشي، قيادي الإخوان السابق، إن كل أعضاء حركة ميدان مطلوبين وعلى رأسهم يحيى موسى وكل من تورط مباشرة في جرائم إرهابية وحكمت عليه المحاكم المصرية سيتم تتبعه وتسليمه للحكومة المصرية عاجلا أم آجلا.

وخلال الآونة الأخيرة يزعم عناصر تنظيم الإخوان، تسليم ليبيا للقيادي المتطرف محمود فتحي وزوجته إلى مصر، بعد اختفائه في طرابلس.

لم تصدر بيانات رسمية تشير إلى ذلك الأمر، لكن بالتأكيد يبقى محمود فتحي قيادي خطير للغاية وله تاريخ طويل في العنف قبل هروبه إلى ليبيا ثم تركيا في أعقاب 2013، والأكيد أكثر من ذلك أن يد مصر الطولى قادرة على استعادة كل متورط في الإرهاب على أراضيها.

search