الأربعاء، 04 نوفمبر 2026

01:59 م

الأربعاء، 04 نوفمبر 2026

01:59 م

قرارات الرئيس السيسي والإحساس بالمواطن

في أوقات تتزايد فيها التحديات الاقتصادية وتتعاظم فيها الأعباء المعيشية، تظل القرارات التي تمس حياة المواطن اليومية هي الأكثر تأثيرًا في وجدان الناس، والأكثر قدرة على تعزيز الثقة بين المواطن والدولة. فالدولة القوية ليست فقط التي تبني المدن وتشيّد الطرق وتطلق المشروعات الكبرى، بل هي أيضًا التي تشعر بمواطنيها، وتدرك حجم ما يتحملونه، وتعمل على تخفيف معاناتهم وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.

ومن هذا المنطلق، تأتي القرارات والتوجيهات التي يتخذها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بشأن الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأولى بالرعاية وتحسين مستوى الخدمات، تأكيدًا على أن الإنسان يجب أن يظل محور التنمية وغايتها الأساسية.

ففي ظل الظروف الاقتصادية التي يواجهها العالم وتنعكس آثارها على حياة المواطنين، تصبح مسؤولية الدولة أكثر أهمية في تحقيق التوازن بين استكمال مسيرة التنمية وتخفيف الأعباء عن الأسر المصرية، خاصة محدودي الدخل والأسر الأكثر احتياجًا.

إن قيمة أي قرار لا تتوقف عند توقيته أو حجم المخصصات المالية المرتبطة به، وإنما تمتد إلى أثره الحقيقي في حياة المواطن، ومدى قدرته على تلبية احتياجاته وتحسين ظروفه المعيشية.

فالقرار الذي يشعر به المواطن هو القرار الذي يلمس حياته، ويحفظ كرامته، ويمنحه الأمل في مستقبل أفضل.

من القرارات الرئاسية إلى الأثر الحقيقي في حياة المواطن

إن تعزيز الحماية الاجتماعية لا يعني فقط تقديم الدعم المالي، بل يشمل أيضًا تحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص العمل، وضبط الأسواق، ومواجهة الممارسات الاحتكارية، وتيسير حصول المواطنين على الخدمات الحكومية.

فالمواطن الذي يبحث عن علاج مناسب، أو يسعى لتوفير احتياجات أسرته الأساسية، أو يتحمل أعباء تعليم أبنائه، يحتاج إلى سياسات متكاملة يشعر بنتائجها في حياته اليومية.

وهنا تبرز أهمية التكامل بين القرارات الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا تعمل كل سياسة بمعزل عن الأخرى، وإنما تتكامل جميعها لتحقيق هدف واحد، وهو تحسين مستوى معيشة المواطن وتعزيز قدرته على مواجهة الأعباء.

كما أن نجاح هذه القرارات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكفاءة التنفيذ على أرض الواقع، وبقدرة الأجهزة التنفيذية على ترجمة التوجيهات إلى خدمات ملموسة، والوصول إلى الفئات المستحقة، والتعامل مع المشكلات الفعلية التي تواجه المواطنين في المدن والقرى والنجوع.

«القرار بعين المواطن».. خطوة نحو سياسات أكثر استجابة لاحتياجات الناس

وانطلاقًا من أهمية القرارات الرئاسية التي تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، أطرح مقترحًا لتطوير آليات صناعة القرار التنفيذي تحت عنوان «القرار بعين المواطن»، بهدف الانتقال من مجرد الاستجابة للمشكلات بعد ظهورها إلى استشراف احتياجات المواطنين قبل اتخاذ القرار.

وتقوم الفكرة على الاستفادة من البيانات الحكومية المتاحة ومنظومات المتابعة القائمة، مع إجراء استطلاعات ميدانية دورية ومحددة لعينة ممثلة من المواطنين في المحافظات، لرصد أكثر الأعباء تأثيرًا على حياتهم، وتحديد أولوياتهم الفعلية في ملفات مثل الأسعار والمواصلات والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

وتُحلل هذه النتائج على مستوى المحافظات والمراكز والقرى، مع مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية من منطقة إلى أخرى، ثم تُعرض على الجهات المختصة لتكون أحد المدخلات العملية عند إعداد السياسات والقرارات التنفيذية.

ولا يتوقف المقترح عند رصد الاحتياجات، بل يمتد إلى اختبار الأثر المتوقع للقرارات قبل تطبيقها، من خلال دراسة انعكاساتها المحتملة على الفئات المختلفة، خاصة محدودي الدخل وسكان القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يساعد على اكتشاف الآثار غير المقصودة وتطوير البدائل المناسبة قبل التنفيذ.

وبعد تطبيق القرار، تتم مقارنة النتائج الفعلية بالأولويات التي رصدها المواطنون، لمعرفة مدى تحقق الأهداف والاستفادة من النتائج في تحسين القرارات اللاحقة.

ويمكن تنفيذ هذه الفكرة تدريجيًا من خلال تجربة تطبيقية في عدد محدود من المحافظات، ثم تقييم النتائج والتوسع في التجربة وفقًا لما تحققه من أثر، دون الحاجة إلى إنشاء أجهزة إدارية جديدة أو تكرار منظومات الشكاوى والمتابعة القائمة.

وتكمن القيمة الحقيقية لهذا المقترح في أنه يجعل المواطن شريكًا في تحديد الأولويات وتقييم النتائج، وليس مجرد متلقٍ للخدمة أو مقدم للشكوى بعد وقوع المشكلة.

فبدلًا من أن نسأل المواطن بعد تنفيذ القرار: هل نجح القرار؟ يمكننا أن نستمع إليه قبل اتخاذه، لنعرف ما الذي يحتاج إليه فعلًا، وكيف يمكن أن يحقق القرار أفضل نتيجة ممكنة.

مسؤولية التنفيذ.. الحلقة التي تصنع الفارق

إن القرارات الرئاسية، مهما بلغت أهميتها، تحتاج إلى جهاز تنفيذي قادر على ترجمتها إلى نتائج ملموسة، وهنا تتجلى مسؤولية الحكومة والمحافظين والقيادات التنفيذية في تحديد الأولويات، وتنسيق الجهود، وسرعة التعامل مع المشكلات، وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات والدعم.

كما أن تطوير الأداء الحكومي لا ينبغي أن يقتصر على قياس عدد المشروعات المنفذة أو عدد الشكاوى التي تمت الاستجابة لها، بل يجب أن يمتد إلى قياس الأثر الذي أحدثته هذه الجهود في حياة المواطن.

فنجاح المسؤول لا يقاس فقط بما يقدمه من تقارير أو ما يعلنه من إنجازات، وإنما بقدرته على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج يشعر بها الناس، وبمدى قدرته على فهم الواقع والاستماع إلى المواطنين واتخاذ قرارات تستجيب لاحتياجاتهم الحقيقية.

ومن هنا تأتي أهمية تطوير ثقافة العمل التنفيذي لتصبح أكثر اعتمادًا على البيانات الميدانية، وأكثر انفتاحًا على المشاركة المجتمعية، وأكثر قدرة على استشراف المشكلات قبل تفاقمها.

المواطن هو الغاية.. والتنمية الحقيقية تبدأ من احتياجاته

إن بناء الجمهورية الجديدة لا يكتمل بالمشروعات وحدها، وإنما يكتمل حين يشعر المواطن بأن التنمية وصلت إلى بيته وقريته وشارعه، وأن صوته مسموع، وأن احتياجاته تؤخذ في الاعتبار، وأن الخدمات التي يحصل عليها تليق بكرامته الإنسانية.

وإذا كانت القرارات الرئاسية تستهدف دعم المواطن وتخفيف الأعباء عنه، فإن تطوير آليات صناعة القرار على أساس احتياجاته الفعلية يمثل خطوة مهمة لتعظيم أثر هذه القرارات وتحقيق أهدافها.

إننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الإدارة التي تتعامل مع المشكلات بعد ظهورها إلى إدارة تستشرف الاحتياجات وتستعد للتحديات، ومن تقييم الأداء بالأرقام وحدها إلى تقييمه بما يحققه من تحسن حقيقي في حياة الناس.

فالقرار الناجح ليس فقط القرار الذي يصدر في الوقت المناسب، بل القرار الذي ينطلق من فهم حقيقي لاحتياجات المواطن، ويصل إليه في صورة خدمة أفضل وحياة أكثر استقرارًا وكرامة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن المواطن ليس مجرد رقم في تقرير أو مستفيد في قاعدة بيانات، بل هو الغاية الأساسية من كل جهد تبذله الدولة، والهدف الذي يجب أن تُقاس على أساسه نتائج التنمية.

فأعظم ما يمكن أن تحققه الدولة ليس فقط أن تبني مستقبلًا جديدًا، بل أن تجعل المواطن يشعر بأنه شريك في بنائه، وأن صوته مسموع في قراراته، وأن كرامته واحتياجاته في قلب أولوياتها.

رابط مختصر

تابعونا على

search